فهرس الكتاب

الصفحة 22212 من 27364

ليست الغرابة في طبيعة حزب بهاراتيا - الذي هو أصلاً لا يعدو عن كونه حزباً فاشياً عضويته مقصورة على الهندوس ، ويقوده زعماء سبق أن كانوا قادة في حزب جان سانغ المتطرف ، والمعادي للإسلام والمسلمين والمنادي بفرض اللغة الهندوسية على جميع سكان الهند ورفض إعطاء تنازلات للأقليات سواء أكانت متعلقة باللغة أو التعليم أو قوانين الأحوال الشخصية - بل الغرابة هي مسارعة بقية الأحزاب العلمانية للتعامل والتنسيق معه في الحملات الانتخابية بغية إخراج حزب المؤتمر من السلطة. حيث لم يتلكأ حزب جانتا دال عن التحالف مع حزب بهاراتيا في عام 1989م التي انتهت بفوز الأخير في 63 مقعداً مما جعله أكبر حزب معارض في البرلمان الهندي ، وبالتالي صار قادراً على إسقاط أية حكومة لا تستجيب إلى بعض مطالبه.

الحقيقة تقال إن نجاح حزب بهاراتيا يعود في معظمه إلى فشل التجربة الديموقرطية في الهند بسبب ممارسات خاطئة انتهجها حزب المؤتمر أكبر أحزاب الهند والذي تزعم هو وحزب الرابطة الإسلامية تحرير الهند من بريطانيا مستفيداً من ثورة المسلمين الكبرى على الإنجليز عام 1857م . وسبب فشل هذا الحزب بالذات ناتج عن عجزه عن متابعة المسار الذي خطه له جواهر لال نهرو والقائم على حفظ التوازنات بين جميع القوى الفاعلة ، وتنشيط كوادر الحزب والاستجابة لمطالبها على مستوى الولايات ، وضمان تمثيل معتدل لها في السلطة المركزية. فقد تحول حزب المؤتمر بعد وفاة جواهر لال نهرو وتولي أنديرا غاندي قيادته إلى حزب عائلي محض يتمحور حول شخصية أنديرا غاندي التي أصبحت هي الحزب والحزب هي ، بمعنى أن برنامجه الانتخالي أصبح محصوراً ومرتبطاً بشخصها بعدما كان في الماضي يعتمد على الكوادر المحلية في كل ولاية. وهذا التوجه أدى إلى تراجع شعبية الحزب الذي لم يعد قادراً على إنتاج شخصيات مستقلة تستطيع ممارسة سياسة تتعارض مع قائد الحزب طالما هي في النهاية تصب في مصلحة الحزب والمجموع. لم يتراجع هذا النهج بعد وفاة أنديرا غاندي بل تعزز مع وصول ابنها راجيف غاندي الذي قام بتعيين الوزراء في المقاطعات على أساس الولاء الشخصي والمحسوبية الضيقة والمصلحة الآنية وبالتشاور مع دائرة محدودة من المقربين والمنتفعين دون الرجوع إلى آراء الكوادر الحزبية.

لم يتردد راجيف غاندي في اتباع أية وسيلة ، وممارسة سياسات ضارة منها: الاستجابة للروح القومية الهندوسية ، وإثارتها في سبيل كسب أصوات انتخابية ، وسحب هذه الورقة من الأحزاب الهندوسية المتطرفة. واتضحت تلك السياسة الطائفية ووصلت نتيجتها الحتمية عندما أصدرت إحدى المحاكم المحلية - بإيعاز غير مباشر من حزب المؤتمر - قراراً ينقض حكماً سابقاً بخصوص مسجد البابري - مضى على صدوره 36 عاماً - ويسمح بالتالي للهندوس بممارسة الشعائر الدينية أمام تمثال الإله رام الذي وُضع داخل المسجد في سنة 1949م.

لم تسفر سياسة الاسترضاء عن أية نتيجة إيجابية سوى تعزيز قدرة الأحزاب المتطرفة ، وتشجيعها على زيادة مطالبها ، وبالتالي رفع حدة التقسيم داخل المجتمع الهندي على أساس الوازع الديني ، والإيذان بمرحلة جديدة يقودها التطرف ويُحكم مسارها الحقد والكراهية ؛ لذا لم يتردد زعيم حزب بهاراتيا بالقول:"إن ما حدث في أيوديا كان بداية أساس للوطن الهندي"! .

إن التجربة التي عاشتها الهند أخيراً تستدعي من القادة الهنود الوقوف قليلاً ، والتبصر بحكمة وصبر ورويَّة في أبعاد السياسات التي تنتهجها الأحزاب الهندوسية المتعصبة ووضع خطة جديدة تلائم الواقع الهندي ، وتنسجم أكثر مع شعارات الديموقرطية التي ترفعها ، وتأكيد الحكومة - فعلاً لا قولاً - أنها تعني ما تقول حتى تعطي لنفسها المصداقية. وكنا نتمنى أن لا تبدأ سلسلة التراجعات الهندية الرسمية التي بدأت بالوعد من قِبَل رئيس الوزراء ببناء المسجد ثم تحولت إلى بناء مسجد ومعبد في نفس المكان ولكنها انتهت عملياً ببناء المعبد وإقفال ملف المسجد !.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت