( سعى كثير من الكتاب والمفكرين ، من باب تقليد الثقافة الغربية ، إلى المناداة بإقرار الحرية والتعددية كقواعد للعمل السياسي في بلاد المسلمين . وقد دافع هؤلاء عن حرية الرأي ، وشرعية الاختلاف التي تقوم عليها التعددية ، وشرعية وجود تعددية حزبية . وهذه الأفكار والمعالجات التي صدرت مجاراة للفكر الغربي ، لم تبن على شرعية ولم تستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلموإنما انطلقت من واقع سياسي قائم وواقع سياسي مأمول . فعندما ابتليت بلاد المسلمين بالاستبداد السياسي ظن هؤلاء أن لا مخرج لهم ولا منجى إلا بالديمقراطية الغربية ، فحاولوا تطويع أحكام الإسلام ومبادئه لتوافق ما أقروه صراحة من الحاجة إلى الديمقراطية ، لكي لا يحبط عمل الأمة !! ولتسويغ تبني مفهومات الغرب وأحكامه ادعى بعضهم أن الشورى هي عين الديمقراطية ، ومزجها آخرون وجعلوها"شوروقراطية"وانطلق عديد من الكتاب من الادعاء بأن الإسلام لم يأت بنظام سياسي محدد ، وأن التنظيم السياسي متروك للاجتهاد البشري ، وذلك لأن الإسلام ـ في رأيهم ـ اكتفى في مجال الظاهرة السياسية بالتعميم ، حيث أتى بقواعد عامة وترك التفصيلات ولم يبينها للناس . وقد دفعهم هذا التصور إلى المناداة بتبني الديمقراطية والدعوة إليها من منطلق اندراجها تحت التفصيلات التي تركها الشرع للاجتهاد البشري .
يقترب هذا الرأي الذي يتبناه بعضهم ، كما يؤكد غودرون كريمر:"بشكل"خطر"من اتجاه علي عبد الرازق الذي عارضوه بشدة . فهم بخلافه يقولون إن الإسلام دين ودولة ، ولكنهم يعودون مثله للقول إن مسائل التنظيم السياسي متروكة للعقل البشري . إن هذه الطريقة في الفهم والتعليل أدت إلى بروز تناقض أساسي داخل الفكر الإسلامي الإصلاحي مؤداه أنه في الوقت الذي تعتبر فيه الدولة مهمة جداً لتطبيق الشريعة ، لأنها هي التي يفترض أن تقوم بذلك ، فإن أشكال التنظيم السياسي اعتبرت أموراً تقنية غير جوهرية"
ورغم هذا التناقض البين إلا أن كثيراً من الكتاب رأوا في حجة"مرونة الشريعة"فرصة للمناداة بتطبيق الديمقراطية التي تبنوها ، وجعلوها قاعدة الانطلاق لبناء الدولة الإسلامية ، بحجة أن الإسلام ترك مجال الأنظمة مفتوحاً للاجتهاد البشري ، ولأن الديمقراطية ـ في رأيهم ـ أقرب الأنظمة المعاصرة للإسلام .
لقد أدى تبني هذا الاتجاه إلى إهمال الإسلام ومعالجته للواقع في خضم اللهث وراء مفهومات الغرب ومعالجاته . كما أدى ـ كذلك إلى إغفال حقيقة ثابتة وهي أن المفهومات الغربية والمعالجات المنبثقة عنها إنما تنطلق من قاعدة فكرية محددة ، وتهدف إلى تحقيق غايات ترتبط بنظام للحياة لا يصلح للتطبيق في بلاد المسلمين .
فالتعددية السياسية التي ينادي بها بعضهم ، مثلاً ، تمثل:"جزءاً من أجزاء منظومة مفاهيمية متكاملة نشأت وترعرعت داخل النسق الفكري الغربي الليبرالي ، ومن هذه المنظومة: المجتمع المدني ، الديمقراطية ، تداول السلطة ، المشاركة السياسية ، توازن القوى ، انتشار السلطة ، صيانة الحقوق ، حقوق الأقليات ، حقوق الإنسان .."
ولقد دفع التقليد أبناء الأمة إلى استيراد قوالب فكرية جاهزة للعمل لها. ولترويجها تمت أسلمتها بأن أرجعت إلى أصول إسلامية ، أو أشير إلى أنها لا تعارض الشريعة الإسلامية ، أو أنها تتفق وروح الشريعة ،"وبعض الإسلاميين سارعوا ـ تحت ضغط أطروحات الآخرين ـ إلى إضفاء اللباس الشرعي من منطلق المقاربة أو توهم المماثلة ، وإجراء القياس مع إلغاء الفوارق الظاهرية أو عدم التنبه لها . ولكيلا تكتشف عقلية التقليد الكامنة وراء ذلك حشرت مجموعة من الآيات والأحاديث والأصول والفروع الفقهية الكامنة وراء ذلك ... وقطعت من سياقاتها لتصبح دليلاً على صحة"التعددية"بمفهومها السائد ، والإفتاء بمشروعيتها ، والموافقة على الأخذ بها") .
( والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الدولة الإسلامية دولة قائمة على التعددية السياسية والفكرية ؟ بمعنى: هل نظام الدولة قائم على الحيادية الفكرية والعملية تجاه التيارات السياسية المختلفة ؟
الإجابة بالنفي قطعاً ، فالدولة الإسلامية دولة عقيدة ، تحمل مفهومات شرعية عن الحياة وتطبقها في الواقع ، فكيف يجوز لها أن تسمح بإقامة ما يخالف ما تدعو إليه ؟ أما فيما يتعلق بوجود جماعات في الدولة الإسلامية تدعو إلى الزندقة أو الفكر الباطني ، أو الشيوعي فهذا لا يعني إقرار شرعية وجودها أو الإذن لها بالدعوة إلى ما تدعو إليه .
وهناك فرق بين أن توجد في الدولة جماعة لا تحمل الإسلام عقيدة وشريعة ، وبين الإقرار بوجودها وإعطائها شرعية من قبل الدولة ، إما بالوقوف منها موقف المحايد ، أو السماح لها بالدعوة إلى المنكرات الفكرية التي تحملها ، وذلك لأن هذه الحيادية المزعومة لا تتفق أصلاً مع الدولة الشرعية القائمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم) .