فهرس الكتاب

الصفحة 22554 من 27364

ب- استخدم العلماء العرب المسلمون الأدوات والآلات المختلفة في تجاربهم وكانوا حريصين على تقديم وصف نظري لها، ولطرق عملها، وتطويرها، باستمرار ومن هنا نجد التقدم الكبير الذي شهده علم الفلك بدءاً من مرصد المأمون إلى مرصد أولوغ بك وهذا ما نجده مع ابن الهيثم في البصريات، أو مع أدوات الجراحة عند الزهراوي.

جـ- واهتموا في ضوء ذلك بوحدات القياس للأوزان والأطوال والمساحات، وقد تطورت صناعة الموازين لديهم بصورة ملفتة للنظر، والشاهد على ذلك، ميزان الحكمة عند الخازن.

د- ولم يكتفوا هؤلاء بهذه القضايا، وإنما طوروا جهازاً من المفاهيم على مستوى نظرية العلم، وبخاصة قضية الموضوعية، أو العدل بلغة ابن الهيثم. فقد اعتقدوا أنّ هدفهم هو بلوغ الحقيقة، ومن هنا، فقد دعوا إلى نبذ الاعتبارات الذاتية والهوى والانفعالات، والتهويمات والطقوس السحرية، وأكدوا ضرورة عدم الخضوع للسلطة المعرفية السائدة.. ومن هنا جاء نقدهم لبطليموس وإقليدس وأرسطو وغيرهم، فالحجة في آخر الأمر على البرهان والدليل بغض النظر عن القائل.

تبنى العلماء العرب المسلمون نظرة إلى العلم مخالفة تماماً للرؤية اليونانية التي كانت تفصل بين النظر والعمل، فأكدوا على هذا الجانب حتى في الرياضيات، فقد كانت الغايات العملية هي الهدف الأخير للعلم، وبهذا يكونوا قد تبنوا معظم شروط العقلانية العلمية المعاصرة، فقد نادوا بالموضوعية في العلم، ودعوا إلى تكامل الحس والعقل في الإنتاج العلمي.

لم يجد العلماء العرب المسلمون تناقضاً بين العلم وبين الإيمان بالوجود الإلهي، بل اعتبروا أنّ نتائج العلم تشهد بشكل أو بآخر للحكمة الإلهية، وهذا لا يقل من عقلانيتهم العلمية إذ ليس من شروط العقلانية العلمية إنكار وجود الله ورفض الدين، فهؤلاء العلماء بإجماع لم تكن مرجعيتهم دينية [فقط] ، بمعنى أنّ العلم [الإنساني] ليس نتاجاً للفعل الإلهي، وإنما هو فعل للعقل الإنساني، وهو قابل للتعديل والتطوير، وهناك إمكانية متاحة لتصحيح الخطأ، والافتراضات يمكن التحقق من صدقها أو كذبها، والحقيقة لا تكتمل أبداً [إلا عند الله] ، وإنما هي في نمو مستمر والنقد الذاتي كما يرى ابن الهيثم وغيره ركن رئيس في تطور المعرفة العلمية.

والسؤال الذي يطرح بعد هذا: ما مدى تأثير العلوم الاختبارية والرياضية في الحقول المعرفية المختلفة المعرفية المختلفة؟ فهل أسهمت في تكوين عقلانية علمية من نوع ما عند بعض المنتسبين إليها.

2-العلوم النقلية:

ومعروفٌ أنّ علم الكلام والفقه من العلوم النقلية التي تأسست منذ وقت مبكر، وقد سبقت العلوم الاختبارية من حيث التأسيس والنشأة بفعل عوامل داخلية وخارجية، وخضعت في تطورها لتأثيرات مختلفة أثرت في مسيرتها. وقد اتجه علماء الكلام المتأخرون إلى المنطق منذ القرن الخامس الهجري، ومن ثم اجتمعت لديهم النزعتان الكلامية والصورانية. وقد تأثر الفقهاء بالمنطق لكنْ، ليس بصورة مباشرة كما حدث عند علماء الكلام المتأخرين، إذ لم ينظروا أبداً إلى المنطق باعتباره منهجية ملائمة لهم على الصعيد الفقهي، ولم يتبنوا الصورانية، وإن تأثروا في أبحاثهم وخاصة على الصعيد المنهجي بالمنطق.

لم يكن علماء الكلام والفقه بعيدين عمّا يجري في حقل العلوم الاختبارية، فهناك علماء وفقهاء اكتفوا بالمراقبة أو الاستفادة بشكل جزئي، وهناك آخرون، بالضرورة، تأثروا بما يجري فيها، وهناك اختلاف بينهم في درجة التأثر، ولم يكن في هذا الحقل ما يثير حفيظة علماء الكلام أو الفقهاء ليتخذوا منه موقفاً معادياً، وذلك لسببين:

أولاً: أنّ الموضوعات التي يبحثها العلم الاختباري ليست قضايا دينية مباشرة، مثل الإلهيات.

ثانياً: أنّ المعيار الذي يلتزم به العلماء هو التجربة العلمية من حيث هي الشهادة على صدق ما يقولون، ومن هنا، فهناك إمكانية للتحقق ممّا يقولون.

في ضوء هذين السببين، تعاطف علماء الكلام والفقهاء مع العلم الاختباري إلى حد كبير، وذهب بعضهم إلى حد الاشتغال به. مثل الجاحظ وابن الجوزي، فأولهما اشتغل في علم الحيوان، وثانيهما ألف في الطب عشرة مؤلفات، وتسرّبت اللغة الطبية إلى مؤلفاته المختلفة. وقد ترك هذا الاشتغال تأثيراً على خطابهما الكلامي والفقهي، ومن ثم تشكلت عقلانية علمية تتفاوت بينهما، لكنْ، يتفق الاثنان على بعض القضايا والمبادئ، ومنها:

أولاً: اعتقد الاثنان أنّ المعرفة العلمية ممكنة، وهي نتاج لتعاون كبير بين العقل والحس، ومن هنا قبلا الاستنباط والاستقراء والتجربة كمناهج للوصول إلى المعرفة، بغض النظر عن اختلافهما عن الفلاسفة والعلماء في فهم الاستنباط.

ثانياً: اعتقد الاثنان أنّ العالم محكوم بالقوانين السببية، ومن ثم يمكن تفسير الظواهر سببياً، وعلى الرغم من أنهما كانا يعتقدان بأنّ العالم نتاج الفعل الإلهي، إلا أنهما على الصعيد التفسيري كانا يلجأان إلى الأسباب القريبة في التفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت