-هناك من يميل إلى (تعميم الافتراض) فلأن شيئاً ما قد وقع فهذا يعني أنه سيقع دائماً ؛ فإذا نسي موظف عنده تنفيذ أحد طلباته ، قال له: إنك تنسى دائماً ما أطلبه منك . وإذا تبين له أن إحدى الإذاعات كذبت في خبر من الأخبار ، حكم بأن تلك الإذاعة لا تصدق أبداً !
-تتجلى المبالغة في بعض الأحيان في صورة قراءة لما في عقول الآخرين ؛ حيث يعتقد بعض الناس أنه يملك شفافية خاصة لمعرفة ما يدور في أذهان العباد ، وما تنطوي عليه سرائرهم ، فإذا توجهت إليه شركة بسؤال ظنّ أنها سألته ؛ لأنها لم تعثر على شخص آخر بإمكانه أن يجيب عن أسئلتها . وإذا واجه مشكلة ، ولم يتدخل فيها أحد من أصدقائه ؛ فذاك ليس لأنهم يريدون المحافظة على خصوصيته ، وإنما بسبب إهمالهم له ، أو شماتتهم به ، وإذا نصحه شخص بنصيحة ، فذاك ليس بقصد إصلاحه ، وإنما بقصد تحطيمه أمام نفسه ، وهكذا ...
-تترجم المبالغة في بعض الأحيان شكلاً من أشكال عدم الاتزان ؛ فترى بعض الأشخاص يتحولون من النقيض إلى نقيضه بسرعة البرق ؛ فبسبب كلمة أو حركة يمكن لأي شيء أن ينقلب رأساً على عقب . ويبدو أن هذا النوع من المبالغة ، هو في الأصل ظاهرة نسوية [1] ، لكن للرجال أيضاً نصيبهم منها ، وطالما سمعنا من يقول: إن كنت تستطيع أن تقول ذلك فهذا يعني أن علاقتنا لا تعني أي شيء . ومن يقول: خطأ واحد يفسد الأمر كله .
-كثيراً ما تتجلى المبالغة في ظاهرة الإسراف في المدح والذم ، وهذه الظاهرة عالمية ، لكن يمكن أن نقول هذه المرة: إنها ظاهرة عربية في المقام الأول ؛ فنحن من أكثر أمم الأرض تمادياً في المدح خاصة وقد تجاوزت المبالغة في المديح لدى بعض الناس مرحلة الكذب الصراح إلى مرحلة الكذب المركب والمعقد ، والذي يحتاج إلى منهاج خاص من أجل كشفه !
وأعتقد بعد هذا وذاك أن تحسن مستوى التفكير لدينا سيظل مرتبطاً بمدى ما يسود حياتنا من مناقشة ومصارحة ، وبمدى ما تحرزه الأمة من تقدم على الصعد الإنسانية المختلفة .
إن تجديد البعد العقلي ، يحتمل الكثير من الكلام ، لكن الوقت المتاح لا يسمح بأكثر مما قلناه ، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لما هو خير وأبقى .
(1) ورد في الحديث الشريف: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) .