فهرس الكتاب

الصفحة 22579 من 27364

واستحضرت بعض النفوس حال المنطقة بعد إعلان حالة الحرب الشاملة على مَن بأقطارها ، وكيف أنها ربما تكون كارثة اقتصادية ، فإعلان النفير العام على المشركين ومنعهم من القدوم إلى الحج ــ وفيه كانت تعقد أسواق التجارة ــ يعني وقف حركة الملاحة البرية مما يؤدي إلا تعطيل التجارة و خراب الأسواق وهذا يعني ــ ولا شك ــ توقف الحياة الاقتصادية .

ووسوس الشيطان يُخوف النفوس الضعيفة التي لم تتخلص كُلَّيةً من أغلال الأسباب المادية الظاهرة من الفقر ويصور لها حالَها وقد حلّ بها الفقر وجاع الولد ونفقت الدواب وكسدت البضاعة وبارت التجارة .

فأتى الجواب بأن هذه كلها من أسباب الرزق ، وليس كل أسباب الرزق ، وأن الله هو وحده مسبب الأسباب ، هو الذي يقبض ويبسط ، إن شاء أغنى وأقنى [4] وإن شاء قبض المال وحلّ الفقر ــ ولا يظلم ربك أحدا ــ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ التوبة: 28]

وقد كان . فقد أسلم العرب وجاءوا إلى الحج ببضائعهم وتجارتهم مسلمين ، وأُخذت خزائن الفرس ، وذُلَّتْ الروم ودفعت الجزية فكان مصدر ُ رزق وسيع لعباد الله الذين آمنوا بالغيب واتبعوا ما أمرهم الله به .

وقد فهم أبو بكر الصديق الدرس ، فلم تُرهبه العرب حين ارتدت جميعها إلا قريتين أو ثلاث ، ولم يجلس يحسب ما عندهم من عدد وعتاد وما عند المسلمين من عدد وعتاد ويبحث عن حلول استراتيجية ... ( ذكية ) للخروج من الورطة ، بل قالها صريحة مدوية"وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلملَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ" [5]

لم يصغ لأقوال ( العقلانيين ) بل قاتل بمن أطاعه من عصاه . متبعا سنة النبي صلى الله عليه وسلم . ولم يمض عامين إلا والمسلمون في المدائن وعلى أبواب أوروبا ، وأفريقيا . وحقا (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [ التوبة: 14] .

إن أجندة الإسلام لا تحمل سوى شيئا واحدا وهو تعبيد الناس لله ، حتى لا تكون فتنه ويكون الدين لله ، هذا كل ما نعرفه . وكيف سيتم إدارة شئون العباد والبلاد فيما بعد ؟ تنبثق كلها من العقيدة وهي فروع على ثوابت محكمات في شريعتنا . والمنهج الذي جعل الأميين يقودون العالم ويؤسسون أعظم دولة في التاريخ يجعل نسلهم اليوم يفعلون فعالهم ، فالمنهج واحد إن وجد من يحمله .

ولكنها عقول كبلتها أغلال الثقافات الغربية . وليتها تدبرت وتأملت في سيرة نبيها وفي مسيرة دينها عبر التاريخ .

[1] انظر تفسير الطبري للآية الثانية من سورة التوبة .

[2] راجع ــ إن شئت ـ تفسير القرطبي للآية 14 من سورة التوبة .

[3] مسلم . كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها / 5109 ، ويثلغوا رأسي أي أَيْ: يَشْدَخُوهُ وَيَشُجُّوهُ , كَمَا يُشْدَخ الْخُبْز , أَيْ: يُكْسَر . وقوله تعالى: { وَاغْزُهُمْ نُغْزِك } بضم النون أَيْ: نُعِينك . راجع ــ إن شئت ـــ شرح النووي للحديث .

[4] أقنى تعني وفرة المال مع عدم الحاجة لبيعه ، أي يقيم عند صاحبه ، وهذا من تمام النعمة .

[5] البخاري . كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / 6741، واللفظ له ، وعند مسلم كتاب الإيمان / 29 وغيرهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت