إنه ما يمر على الواحد منا يوم دون أن يستخدم في كلامه وتأملاته نوعاً من التفلسف من أجل التغلب على ما نواجهه من نقص في عتادنا المعرفي .
نحن نستخدم ( التعليل ) في كثير من الأحيان من أجل جعل تصرفاتنا وأقوالنا تبدو منطقية ومنسجمة ، ونستخدم ( القياس ) لسد الفراغات التي تركها الاستقراء الناقص ، أو حيث يكون الاستقراء التام مستحيلاً ، ونستخدم ( التقنين ) من أجل تسهيل التعامل مع الأفكار والأشياء والمواد . والسنن الواردة في القرآن الكريم والسنن النبوية تهدف إلى مساعدتنا على أخذ العبر والوصول إلى مستخلصات مركزة حول الماضي والمستقبل . حين نمارس ( التحليل ) فإننا نرمي إلى تفكيك المعطيات المعقدة بغية النفاذ إلى جوهرها ، وإتاحة الفرصة لأدمغتنا كي تتعامل معها بكفاءة . وحين نتوقع حدوث بعض الأمور ، ونهجس بالمستقبل فإننا نقوم بعملية استكشاف للعلاقات بين الأسباب والمسببات ، ونفعل ذلك بغية إيجاد نوع من الاستمرارية الشعورية والظرفية ، وتوفير منطقة عيش آمنة وملائمة لحركتنا .
إن كل هذه الممارسات الذهنية والمعرفية ما هي سوى طرق لترويض الحقائق ، ومناهزة استيعابها . وهي لا تعدو أن تكون ضروباً من ( المقاربة ) لما نبتغيه . وهي جميعاً تعمل خارج منطقة اليقين والصواب القطعي . وفي هذه العمليات التي أشرنا إليها يقع الكثير من المجازفة والتعسف والتجاوز . وتقدُّم الوعي الإسلامي ولا سيما على الصعيد الشعبي ضعيف جداً في هذا الحقل ؛ بل إن كثيراً من الصفوة من ذوي الثقافة العليا يسلكون مسلك العامة في بعض الأحيان حيال التعامل مع معطيات التفلسف والنظر العقلي . مع أن من الواضح أن ( الفلسفة ) لا تمنحنا الدقة ، ولا تساعدنا على التحديد ، وإنما تزيد في درجة شفافيتنا ، وتساعدنا على رسم الاتجاهات والتعامل مع المسائل الكلية .
4 -في البنية العميقة للمعرفة الإسلامية مرونة فكرية كبيرة ، نحن اليوم في أَمسّ الحاجة إلى التشبع بها وتمثلِها في عمليات الاستنباط والاختلاف والتقويم المختلفة . ومن الملاحظ أن الفكر الحداثي الغربي يقوم اليوم على ركائز غاية في التطرف ؛ فهو شديد التأرجح بين الشك المطلق واليقين المطلق ؛ بين العقلانية المطلقة وبين جحود أي ثابت من الثوابت ، وقد تأثر بهذا كثير من الرؤى الحضارية المعاصرة في بلاد المسلمين .
أما الرؤية الإسلامية في هذا المجال ، فإنها تقوم على ( الوسطية ) المبصرة ؛ فهناك اليقين ، والظن القوي والظن الضعيف ، والشك القوي والشك الضعيف .
والاقتراب من الحقيقة متفاوت ، كما أن التورط في الخطأ متنوع ، وحين وضع الأصوليون قواعد تفسير النصوص لاحظوا هذا المعنى بدقة متناهية ؛ ولذا ذهبوا إلى أن النص قد يكون ظني الدلالة ، فيقبل آنذاك التأويل والفهم المتعدد .
ولاحظوا على سبيل المثال أن الأمر قد لا يفيد الوجوب ، بل قد ينصرف عند وجود قرينة إلى الإرشاد أو الندب أو الإباحة ، كما أن النهي قد يفيد مجرد الكراهة ، وليس الحرمة . العلاقة بين المقدمات والنتائج والأسباب والمسببات في كثير من الآداب الغربية تميل اليوم إلى ( التصلب ) حيث يحاول كثيرون هناك إضفاء معنى التلازم والاطراد على الارتباط القائم بين حدث وآخر .
وقد بات كثيرون لدينا يستخدمون عبارات الجزم والتأكيد فيما تأبى طبيعته ذلك . وقد كان من أدب علماء المسلمين أن يقولوا عقب بسط آرائهم واستنتاجاتهم:
« والله أعلم » ليشعروا القارئ باحتمالية ما ذهبوا إليه وعدم استحواذه على اليقين .
وكان من لطيف ما قرروه قولهم: « مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب » ولو أنهم قالوا: « مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ، ومذهب غيرنا صواب يحتمل الخطأ » لما أبعدوا النجعة ؛ حيث يرى بعض الأصوليين أن كل مجتهد مصيب . ومن أدب المسلم وصفاء اعتقاده أن يقول إذا تحدث عن شيء مستقبلي: « إن شاء الله » و « بإذن الله » ليذكّر السامعين أن الأمر كله لله ، وليشعرهم بوجود علاقة لينة بين ما نراه أسباباً ، وما نراه مسببات . إن كل ما نصل إليه من مقولات وطروحات يظل أغلبياً يحتمل الكثير من الشذوذ ، كما يحتمل الوهم والغلط ؛ وما ذلك إلا لأن إمكانات التجريب في عالم الفكر والشأن الإنساني عامة محدودة ومعقدة ؛ مما يجعل كل براهيننا على ما نقوله ذات وزن نسبي ومدلولات ترجيحية ، ليس أكثر . وإن من أهم سمات الرجل العقلاني أنه لا يستمسك بآراء وأفكار ليس لديه ما يكفي من البراهين عليها .