فهرس الكتاب

الصفحة 22605 من 27364

إنه ما يمر على الواحد منا يوم دون أن يستخدم في كلامه وتأملاته نوعاً من التفلسف من أجل التغلب على ما نواجهه من نقص في عتادنا المعرفي .

نحن نستخدم ( التعليل ) في كثير من الأحيان من أجل جعل تصرفاتنا وأقوالنا تبدو منطقية ومنسجمة ، ونستخدم ( القياس ) لسد الفراغات التي تركها الاستقراء الناقص ، أو حيث يكون الاستقراء التام مستحيلاً ، ونستخدم ( التقنين ) من أجل تسهيل التعامل مع الأفكار والأشياء والمواد . والسنن الواردة في القرآن الكريم والسنن النبوية تهدف إلى مساعدتنا على أخذ العبر والوصول إلى مستخلصات مركزة حول الماضي والمستقبل . حين نمارس ( التحليل ) فإننا نرمي إلى تفكيك المعطيات المعقدة بغية النفاذ إلى جوهرها ، وإتاحة الفرصة لأدمغتنا كي تتعامل معها بكفاءة . وحين نتوقع حدوث بعض الأمور ، ونهجس بالمستقبل فإننا نقوم بعملية استكشاف للعلاقات بين الأسباب والمسببات ، ونفعل ذلك بغية إيجاد نوع من الاستمرارية الشعورية والظرفية ، وتوفير منطقة عيش آمنة وملائمة لحركتنا .

إن كل هذه الممارسات الذهنية والمعرفية ما هي سوى طرق لترويض الحقائق ، ومناهزة استيعابها . وهي لا تعدو أن تكون ضروباً من ( المقاربة ) لما نبتغيه . وهي جميعاً تعمل خارج منطقة اليقين والصواب القطعي . وفي هذه العمليات التي أشرنا إليها يقع الكثير من المجازفة والتعسف والتجاوز . وتقدُّم الوعي الإسلامي ولا سيما على الصعيد الشعبي ضعيف جداً في هذا الحقل ؛ بل إن كثيراً من الصفوة من ذوي الثقافة العليا يسلكون مسلك العامة في بعض الأحيان حيال التعامل مع معطيات التفلسف والنظر العقلي . مع أن من الواضح أن ( الفلسفة ) لا تمنحنا الدقة ، ولا تساعدنا على التحديد ، وإنما تزيد في درجة شفافيتنا ، وتساعدنا على رسم الاتجاهات والتعامل مع المسائل الكلية .

4 -في البنية العميقة للمعرفة الإسلامية مرونة فكرية كبيرة ، نحن اليوم في أَمسّ الحاجة إلى التشبع بها وتمثلِها في عمليات الاستنباط والاختلاف والتقويم المختلفة . ومن الملاحظ أن الفكر الحداثي الغربي يقوم اليوم على ركائز غاية في التطرف ؛ فهو شديد التأرجح بين الشك المطلق واليقين المطلق ؛ بين العقلانية المطلقة وبين جحود أي ثابت من الثوابت ، وقد تأثر بهذا كثير من الرؤى الحضارية المعاصرة في بلاد المسلمين .

أما الرؤية الإسلامية في هذا المجال ، فإنها تقوم على ( الوسطية ) المبصرة ؛ فهناك اليقين ، والظن القوي والظن الضعيف ، والشك القوي والشك الضعيف .

والاقتراب من الحقيقة متفاوت ، كما أن التورط في الخطأ متنوع ، وحين وضع الأصوليون قواعد تفسير النصوص لاحظوا هذا المعنى بدقة متناهية ؛ ولذا ذهبوا إلى أن النص قد يكون ظني الدلالة ، فيقبل آنذاك التأويل والفهم المتعدد .

ولاحظوا على سبيل المثال أن الأمر قد لا يفيد الوجوب ، بل قد ينصرف عند وجود قرينة إلى الإرشاد أو الندب أو الإباحة ، كما أن النهي قد يفيد مجرد الكراهة ، وليس الحرمة . العلاقة بين المقدمات والنتائج والأسباب والمسببات في كثير من الآداب الغربية تميل اليوم إلى ( التصلب ) حيث يحاول كثيرون هناك إضفاء معنى التلازم والاطراد على الارتباط القائم بين حدث وآخر .

وقد بات كثيرون لدينا يستخدمون عبارات الجزم والتأكيد فيما تأبى طبيعته ذلك . وقد كان من أدب علماء المسلمين أن يقولوا عقب بسط آرائهم واستنتاجاتهم:

« والله أعلم » ليشعروا القارئ باحتمالية ما ذهبوا إليه وعدم استحواذه على اليقين .

وكان من لطيف ما قرروه قولهم: « مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب » ولو أنهم قالوا: « مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ، ومذهب غيرنا صواب يحتمل الخطأ » لما أبعدوا النجعة ؛ حيث يرى بعض الأصوليين أن كل مجتهد مصيب . ومن أدب المسلم وصفاء اعتقاده أن يقول إذا تحدث عن شيء مستقبلي: « إن شاء الله » و « بإذن الله » ليذكّر السامعين أن الأمر كله لله ، وليشعرهم بوجود علاقة لينة بين ما نراه أسباباً ، وما نراه مسببات . إن كل ما نصل إليه من مقولات وطروحات يظل أغلبياً يحتمل الكثير من الشذوذ ، كما يحتمل الوهم والغلط ؛ وما ذلك إلا لأن إمكانات التجريب في عالم الفكر والشأن الإنساني عامة محدودة ومعقدة ؛ مما يجعل كل براهيننا على ما نقوله ذات وزن نسبي ومدلولات ترجيحية ، ليس أكثر . وإن من أهم سمات الرجل العقلاني أنه لا يستمسك بآراء وأفكار ليس لديه ما يكفي من البراهين عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت