فهرس الكتاب

الصفحة 22634 من 27364

{ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة:16]

وسيبقى من أعرض عن هذا الوحي مرتكساً في ظلماته مهما أوتي من العلوم المدنية, كما قال تعالى:

{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام:39]

والى هذا التنوير المستمد من الوحي أشار الامام ابن تيمية في قوله:

(وعند المسلمين من"العلوم الإلهية"الموروثة عن خاتم المرسلين ماملأ العالم نورا وهدى) الفتاوى 2/84

فتأمل في خطبة صلى الله عليه وسلم السابقة كيف نفخ في أصحابه الشموخ بـ"العلوم الإلهية"فوق المدنيات الصغيرة بالنسبة لجلال المعرفة الإلهية, ونبه أصحابه إلى التنوير الحقيقي وهو نور الوحي, وربى أصحابه على أن تلك المجتمعات المتمدنة يحتاجونكم أضعاف ما تحتاجونهم, فهم إنما يملكون الوسائل وأنتم تعرفون الغايات, وشتان بين منزلة الوسيلة والغاية.

بل إن من طالع موسوعة"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"للمؤرخ العراقي الشهير جواد علي (1987م) والتي صنفها في زهاء عشرة مجلدات, ورأى ما كان في الجزيرة العربية من ألوان الآداب والفنون والحكمة العقلية ثم قارنها بتقييم القرآن لهذه"الحالة العربية"قبل البعثة فسيعلم يقيناً منزلة مظاهر الدنيا وعلومها وفنونها ومدنيتها في ميزان الله, فمع كل ما كشفته تلك الموسوعة التاريخية المذهلة من إبداع عقلي وأدبي عند العرب فإن الله سبحانه وتعالى يصف الواقع العربي بالضلال المبين كما يقول تعالى:

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]

يصفهم بذلك برغم أن فيهم الأدباء والشعراء والخطباء والفروسية وأخلاقيات المروءة وكرم الضيافة, بل كان فيهم حكماء تناقل الناس حكمتهم إلى يومنا هذا كقس بن ساعدة وأكثم بن صيفي وغيرهم.

بل إن ما يراه العرب قامة الإبداع الفني وصاحب أهم الروائع الأدبية يصف صلى الله عليه وسلم بقوله:

« امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار » خرجه أحمد من حديث أبي هريرة.

وهذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضارية والفنية قبيل مبعث صلى الله عليه وسلم ليس ذماً لتلك المنجزات لذاتها, وإنما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية, فلم يصلوا إلى الرقي والسمو الحقيقي وهو مرتبة العبودية, وإنما بقوا في حضيض المنافسة الدنيوية.

فيالله العجب.. ما أتفه علوم الدنيا وقوتها في ميزان الله سبحانه وتعالى بالنسبة لمضامين الوحي.

والحقيقة أن هذا الموقف النبوي من أدق ما يبين أن الانتفاع بما لدى الغير لا يقتضي الانبهار بهم, وأن الذم لواقعهم لا يتعارض مع الاستفادة من الحكمة التي هي ضالة المؤمن, وسنحاول إيضاح ذلك في فقرة لاحقة.

والمقصود هاهنا أن من تأمل هذا الموضع ونظائره انكشف له منهج التعامل الذي يحبه الله ويريده من المسلم إزاء الحضارات الأخرى, وهذا المنهج بكل اختصار هو: أن ينتفع بما لديها مما يعزز غايته كما انتفع النبي وأصحابه, لكن لا يقع في تعظيمها والانبهار بها مع ضلالها عن الإسلام بل يعي تخلفها وانحطاطها وظلاميتها كما وعى ذلك النبي وأصحابه, وحاجتها للتنوير الحقيقي الذي لا يكون إلا بانشراح الصدر بهذا الإسلام كما قال تعالى:

{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر:22]

بل إنه لاتخلو أمة من الأمم التي بعث الله إليها رسله من الإبداع الدنيوي في أحد فنون المدنية, ومع ذلك كله فقد بعث الله الأنبياء ليخرجوهم من الظلمات إلى النور, والقارئ للحظات النبوات في القرآن يشاهد دوماً كيف أن القرآن يصور الأمم بأنهم في الضلال والظلمات والانحطاط برغم قوتهم وإمكانياتهم ومظاهر المادية التي بيدهم, ويؤكد أنبياؤهم لهم حاجتهم إلى أنوار الوحي.

ومن دقق النظر في لحظات ومشاهد بعث الرسل والأنبياء إلى الأمم فإنه سيتضح له لازم خطير يلزم الرؤية التي أخذ بها غلاة الخطاب المدني, فإذا كانت"المدنية المادية"هي الأولوية الراقية فإن هذا يلزم عليه أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل والأنبياء بالقضايا الهامشية والثانوية ولم يرسلهم بالشؤون العظيمة! فأي إزراء بالرسل أكثر من ذلك؟!

والواقع أنه إذا كان أحكم الحاكمين إنما اصطفى هؤلاء الرسل والأنبياء وفضلهم على العالمين وجعلهم نماذج السمو والشرف فوق الإنسانية جمعاء فإن هذا يقتضي أنه أرسلهم بأهم المطالب, وأن أهم المطالب إنما تستخلص من مشروعاتهم التغييرية.

وهذا اللازم الخطير يتفاوت غلاة المدنية في موقفهم تجاهه, فبعضهم لايتفطن له أصلاً, وهذا كثير في من يطلق أقوالاً لايتفطن للوازمها, وقد أشار المحققون إلى كثير من ذلك, كما قال الإمام ابن تيمية:

(الشعور مراتب, وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه, ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض) درء التعارض 10/121

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت