فهرس الكتاب
وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:
(من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا, ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)
فجعل القيام بشؤون أسرة المجاهد خلافة بسبب غياب المجاهد.
وقد كان من هدي صلى الله عليه وسلم إذا غاب عن المدينة إما لجهاد أو حج ونحوه فإنه يستخلف على المدينة, كما استخلف ابن أم مكتوم وعلى بن أبى طالب وغيرهم, وهذا بسبب غيابه, فإذا حضر r زال وصف الخلافة عن خليفته لزوال سببها وهو الغياب.
بل إن النصوص الشرعية أثبتت عكس المعنى المرجوح تماماً, فأثبتت أن الله سبحانه وتعالى هو الخليفة الذي يخلف الانسان في غيبته, لا أن الانسان هو الذي يخلف ربه, حيث روى الامام مسلم من حديث ابن عمر أن صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قال:
(اللهم أنت الصاحب في السفر, والخليفة في الأهل) .
وهذا الفهم للآية يسنده تتبع الآيات الأخرى التي استخدمت مفهوم"الخليفة"إذ القرآن الذي هو كلام الله يفسر بعضه بعضاً, وكثيراً ماتكون الدلالات المجملة في موضع معين تكشفها الدلالات المبينة في موضع آخر, وهذا المعنى وهو كون"جنس الآدميين يخلف بعضهم بعضاً"مبثوث شائع في كتاب الله في مواضع كثيرة منها قوله تعالى:
{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } [الأعراف: 129] .
فكانت هذه الخلافة بعد هلاك من قبلهم, ومثل هذا المعنى قوله تعالى:
(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ)
والمتأمل في جمهور آيات"خلافة الانسان"يجدها تشير الى معنى"البعدية"أو التعاقب, بحيث أن هذه الخلافة كانت بعد من سبق من الناس, فهي تشير الى تداول الخلافة بين بني آدم لا الخلافة عن الله, وسنشير الى بعض نماذج الآيات التي دلت على مفهوم"تداول الخلافة"والتعاقب عليها, فمن ذلك قوله تعالى:
{ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ} [يونس: 14] .
ومثله قوله تعالى:
{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } [مريم: 59] .
ومثله قوله سبحانه وتعالى:
(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
ومثله قوله سبحانه:
فهذه الآيات كلها تشير الى معنى البعدية الدال على مفهوم التعاقب.
وكذلك قال سبحانه وتعالى:
{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ } [الأنعام: 165]
وقال سبحانه وتعالى:
{وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } [النمل: 62] .
فهذه الشواهد المبينة من الوحي تكشف الدلالة المجملة في قوله تعالى"إني جاعل في الأرض خليفة"وأن المراد تداول الخلافة والتعاقب عليها بين جنس الآدميين, لا الخلافة عن الله سبحانه وتعالى.
ثم إن مما يؤكد أن معنى"خليفة"هاهنا كان الالتفات فيه الى جنس الآدميين وليس مجرد آدم عليه السلام, أنه لو كان المراد"آدم"لما صح أن تقول الملائكة:
{قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]
ذلك أن آدم عليه السلام ليس بمفسد في الأرض ولايسفك الدماء, فتبين أنهم عنوا جنس الآدميين.
والحقيقة أن من أكثر ماشوش على بعض متأخري المفسرين في فهم دلالة"خليفة"هو ورودها بصيغة المفرد, بينما الخلائف بصيغة الجمع, والواقع أن اللفظ المفرد إذا كان"اسم جنس"فإنه يكثر اطلاقه في كلام العرب مع أن المراد به الجمع, وهو نمط أسلوبي مطروق استعمله القرآن في غير موضع.
ومن ذلك أن الله تعالى لما ذكر نعيم الجنة قال سبحانه"في جنات ونهر"فذكر النهر بصيغة الاسم المفرد مع أن المراد به الجمع, فلايجوز الاستدلال بهذه الآية مثلاً على أنه ليس في القرآن الا نهر واحد, وذلك لقوله تعالى (فيها أنهار من ماء غير آسن)
2-أنه على التسليم بصحة القول المرجوح الذي اختاره بعض متأخري المفسرين وهو أن معنى"خليفة"هاهنا أي"خليفة عن الله"فإن هؤلاء المفسرين الذين مالوا الى هذا القول المرجوح لم يجعلوا مضمون هذه الخلافة هي عمارة الأرض مادياً, بل جعلوا مضمون هذه الخلافة"إقامة دين الله"كما قال البغوي مثلاً:
(والصحيح أنه خليفة الله في أرضه: لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه)
والخلافة في تنفيذ أوامر الله واقامة أحكامه مؤداها أن معنى الخلافة هاهنا آل إلى معنى العمارة الايمانية, لامعنى العمارة المادية, فلاجديد في هذه الدلالة.
وبكل اختصار فان احتمالات الدلالة في هذه الآية ثلاث دلالات -وليعذرنا القارئ على الدخول في تفصيلات فنية اضطررنا اليها بسبب كثرة استدلال غلاة المدنية بهذه الآية- وهذه الدلالات الثلاث هي:
إما أن يكون"خليفة"على وزن فعيلة بمعنى مفعول, أي مخلوف, فيكون جنس بني آدم يخلف بعضهم بعضاً, وهذا هو الفهم الراجح لللآية.
وإما أن يكون"خليفة"على وزن فعيلة بمعنى فاعل, أي خالف لمن قبله, فيكون آدم قد خلف خلقاً سكنوا الأرض قبله, كما ذهب اليه طائفة من السلف.
أو يكون خليفة عن الله أي نائباً عنه في إقامة حكم الله.