فهرس الكتاب
والمقصود من هذا كله أن الباحث العاقل المنصف المتجرد إذا تأمل نصوص الوحي الإلهي ورأى أن الشارع اعتبر خيانة الأمانة وفجور الخصومة وترك تحديث النفس بالجهاد وبغض الأنصار والارتياب في وعد الله ونحوها كلها من"شعب النفاق"فإنه لايشك طرفة عين أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بفهم القرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, وربط القرآن بالأساطير السابقة للإسلام, واعتبار الشريعة والسلف قد اعتقلانا, أنها كلها شعب من النفاق أشد وأبشع, ولا موقع للمجاملة في مثل هذه القضايا.
وبعض الناس يرى أن هذا فيه شيء من المبالغة, والحقيقة أن ما سبق من الآيات يكشف أن ما ذكرنا دون ما جاءت به الآيات أصلاً, ومع ذلك سأضرب لذلك مثلاً أتمنى أن يوضح الصورة أكثر: إذا كان مجرد"الجهر بالصوت"عند رسول ا صلى الله عليه وسلم يتصادم مع توقيره بما يصل إلى"حبوط العمل"كله كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَاتشعرون}
فكيف سيكون شأن من ينقر ويقمش ويجمع ساقط المرويات ليهز ثقة القارئ في القرآن والسنة؟
شتيمة الدوغمائية:
يلاحظ المتابع لخطاب غلاة المدنية ولعهم المبالغ فيه بذكر"النسبية"واتهام المخالفين لهم بمصطلحات الوثوقية والدوغمائية واليقينية ونحوها.
والنسبية في المسائل الاجتهادية حق لا مرية فيه أقره الشارع في حديث"لايصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة", ولكن المؤلم في خطاب غلاة المدنية أن بعضهم يتحدث نظرياً عن النسبية فيما دون القطعيات, ولكنك تكتشف أن هذه النسبية لا تتوقف أصلاً, بل تمتد وتمتد يوماً بعد يوم, فكل من خالف في قطعي من قطعيات الوحي سواء كان متقدماً أم معاصراً تجد من يبرر له ذلك بشعار النسبية.
ومن واقع تجربة مرة فإن أكثر من قرأت له من غلاة المدنية عن النسبية وجدته في بادئ الأمر يتحدث عن النسبية في الاجتهاديات، وهذا مستوى محمود لا شك فيه, إلا أنه بعد فترة يقفز إلى تطبيق النسبية في كل شئ, فكثير من غلاة المدنية يجعلون كل شئ"نظراً شخصيا محضاً", ولا يجعلون لمعطى من المعطيات الشرعية -مهما كان قطعيته وحسمه وصراحته ووضوحه- شأنا يستحق الجزم واليقين المطلق.
ومما بنوا على أصل النسبية أنهم يسمون الغيرة على الشريعة والفضيلة"توتراً"ويطلقون على الداعية الذي يغضب ويتمعر وجهه إذا انتهكت الأصول الشرعية"متوتراً"أو يسمونه"نزقاً"ونحو هذه الأوصاف والعيوب.
ومما بنوا على أصل النسبية أيضاً التبرم بالحديث عن"شرف هذه الأمة"وفضلها على سائر الأمم, وينزعجون كثيراً من الحديث عن اجتباء هذه الأمة واصطفائها وحب الله لها, ويرونه لوناً من الوهم والتضليل والوثوقية.
ومما بنوا على أصل النسبية أيضاً أنهم يسمون إنكار المنكرات الشرعية ونهي المقصر"إقصاءً", ولذلك يتباهى كثير من غلاة المدنية ببرودهم أمام مظاهر التقصير الديني باعتبارها"حرية شخصية", ويجعلون سجية"التواصي"التي شرفها الله"وصاية"ويكثرون من تنقصها.
فإذا تأمل القارئ هذه الظاهرة اعتصره الألم وهو يرى محامد الوحي تتحول إلى مذامّ بألاعيب الألفاظ وتزويق المفردات.
والحقيقة أن من راقب مآلات النسبية رأى أنها الطريق الذي يقود المرء خطوة خطوة إلى"العدمية"المحضة التي لا تكاد تثبت شيئاً, وتجعلك غير قادر على الحماس لأي معطى شرعي, وتسلب المرء فضيلة اليقين وتقحمه في كهوف الارتياب والحيرة والتردد.
ولذلك فإن جبريل حين جلس إلى صلى الله عليه وسلم وسأله في ذلك المجلس الذي قررت فيه أصول الدين الثلاث الإحسان والإيمان والإسلام, جعل أشرف هذه المراتب هي"الاحسان"وعرف الإحسان باليقين الحاسم الذي ليس دونه أدنى تردد, بحيث لا يوجد في قلب المرء إلا هذه الحقيقة, فقال"الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه", فجعل الإحسان هو امتلاء القلب بحقيقة الألوهية بحيث كأنه يشاهد الله عياناً, والواقع أن من لهث خلف سراب النسبية فقد أغلق الباب بينه وبين هذه المنزلة التي هي أشرف منازل الدين, فبدل أن يجاهد نفسه لتستيقن أصبح يجاهد نفسه لترتاب.
والحقيقة أن التأمل في سيرة صلى الله عليه وسلم يكشف لنا بكل وضوح أن الحماس والغيرة على الشريعة والغضب لله ورسوله من المقامات المحمودة وليس توتراً ولا نزقاً ولا وصاية ولا إقصاء.
فمن ذلك ماروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة أن النبي لما رأى قرام التصاوير يستعملونه ستراً تلون وجهه من الغضب.
وروى البخاري أيضاً من حديث ابن مسعود في حديث الذي يتأخر عن صلاة الغداة (لطول الصلاة) قال ابن مسعود: فما رأيت النبي أشد غضباً في موعظة منه.
وروى البخاري أيضاً من حديث زيد بن خالد الجهني في الذي سأله عن ضالة الإبل قال"فغضب رسول الله حتى احمرت وجنتاه, أو احمر وجهه"ثم قال: (ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها) .
وروى البخاري أيضاً من حديث ابن عمر أن النبي لما رأى القذاة في المسجد"تغيظ".