واتّضح لنا أنّ الانفتاح كان مصطلحًا عائمًا ومضللاً لم يخدم الأمّة، ولم يُبَصّرها بعواقب القبول بثقافة عدوّها، لأنّه فُرِض على الأمّة قسرًا ، ورغم كل الشروط التي حاولت أنْ تُقنّن له، أو تضبطه، إلا أنّه لم يُستثمر إلا استثمارًا سلبيًّا في تغريب الأمّة ومحاولة اقتلاعها من جذورها.
وتبيّن أنّه لم يعد مصطلحًا سليمًا، ولا دقيقًا في وصف علاقتنا مع الآخرين، ولذلك نحن بحاجة إلى إهماله وتجاوزه واستبداله بمصطلح جديد، يكون أكثر دقة في تبصير الأمة وهدايتها في التعامل مع الآخرين.
ونرى أنّ مصطلح الامتصاص أو (امتصاص الخبرة) أكثر دقّة منه في تبصير الأمّة، وحمايتها من حالة الاستغفال التي وُضع لها مصطلح الانفتاح.
ولا تزال ألسنة منا تلوك مصطلح الانفتاح بعلم أو بجهل وتسوّقه، وتحاول أنْ تستر عورته بآية أو حديث، وكم ظُلم الحديث الشّريف"الحكمة ضالّة المؤمن"رواه الترمذي وابن ماجة . وهو يكرّر من تلك الألسنة، ليدفع بالأمة إلى قبول ثقافة الاستعمار والتبعيّة، ومع أنّه كلمة حق، إلا أنّه أُريد به خدمة الباطل وأهله.
تحت الرّكام
وهكذا شكّلت الهجمات الثقافيّة التي وقعت في العصر العباسيّ، والهجمات العسكريّة (الحروب الصليبيّة وهجوم التّتار) وعصور الانحطاط، وما تبعها من هجمات ثقافيّة وعسكريّة للاستعمار الأوروبيّ والصهيونيّ في العصر الحديث، مجموعة من الانهيارات والأثقال والعقبات والمثبّطات والأشواك التي ينوء تحتها العقل المسلم، بل إنّ هذا العقل يعيش تحت رُكام كثيف من هذه المرجعيّات المخالفة، ومن أمشاج الثّقافات المعادية التي ألغت تميّزه، وحجبت عنه نور الحياة الإسلاميّة الصّحيحة.
أما الجانب الثقافّي والنقديّ - وهو موضوع اهتمامنا- فقد نشأ النقد العربّي في العصر العباسيّ تحت مرجعيّة واحدة تحكمت في خطوطه العريضة وتأسيس مقولاته، وهي عائدة للعقل الفلسفيّ، عندما اخترق العقل المسلم مرّتين: الأولى في العصر العباسي، والمرة الثانية في عصر الاستعمار والتبعيّة والانفتاح، ومعنى ذلك أنّه في المرتين خضع لمؤثرات الثقافة الأوروبيّة: الثقافة اليونارومانيّة (اليونانيّة الرومانيّة) والثقافة الأوروبيّة الحديثة.
هل معنى هذا أن نغلق أبواب عقولنا نندب حظّنا؟ لا، ليس هذا ما نقصده، ولكنّ السؤال الجادّ الذي يجب أنْ نشغل أنفسنا في البحث عن إجابته، هو كيف ننتشل هذا العقل من وسط الركام الذي يكاد يغرقه ويفسده؟ حتى ينفض عن نفسه هذا الركام ويعود إلى مرجعيّته وتميّزه من جديد.
تفكيك الركام:
أ-في البداية دعونا نفكرْ في طبيعة هذا الرّكام الذي يغمر عقولنا ذواتنا؛ لنتعرف على تجرِبة عدوّنا، من خلال مناهج عقله، فنعرف كيف يفكر هذا العدو؟ حتى نستطيع أنْ نفكّك هذا الرّكام عن وعينا.
وأظنّ أنّ النجاح في هذه المهمة سيتم - بإذن الله- إذا حقّقنا بعض الشروط الموضوعيّة، ومنها: ألا يدفعنا الاستعجال إلى النّهضة إلى التمسّك بالنهضة الموهومة التي تصنعها ثقافة الاستلاب والتبعيّة، وألا يقع في رُوعنا خوف من حصول فراغ علميّ إنْ نحن أوقفنا التعامل مع تلك الثّقافة، وأنْ نتأكّد من رغبتنا في العودة إلى مرجعيّتنا، والإيمان بها والانتماء الحقيقيّ لها، وأنْ نتخلّص من عُقدة الانبهار بالغالب؛ لأنّ المبهور محبٌّ أعمى، لا يملك التّمييز بين حكمته وفلسفة غيره، قا صلى الله عليه وسلم:"حبّك الشيء يُعْمي ويُصِمّ"رواه أبو داود وأحمد.
وبعد هذا يمكننا أنْ نوجز الخطوط العريضة لثقافة عدوّنا، من خلال التعرّف على فكره ومرجعيّته، التي تتحكم في تكوين عقله الفلسفيّ الحرّ، والتي يمكن أنْ نلخّصها من خلال المسار التالي:
1-العقل الفلسفيّ هو عقل الإنسان الكافر، الذي يتّكل على نفسه وقدراته الإنسانيّة، ويرفض أنْ يأخذ بمرجعيّة الوحي، ويعتبر عقله المرجعيّة الأولى والأخيرة في تفسير الحياة.
فهو عقل علمانيّ (دنيويّ) تكوّن من الخبرات التراكميّة للثقافة الأوروبيّة (الفلسفة اليونانيّة، والثقافة الرومانيّة، والمسيحيّة التي هضمها الفكر الروماني وأعاد تمثّلها بما يتناسب مع وثنيّته، بعد أنْ أفرغها من عقائد التوحيد، والفلسفات الأوروبيّة الحديثة التي عاصرت الثورة الصناعيّة أو ظهرت بعدها إلى عصرنا، والتي يمكن اختزالها في الثالوث المعاصر:( العلمانيّة: الديمقراطيّة، العولمة) وما يتبعها من أنظمة اقتصاديّة كالرأسماليّة والاشتراكيّة.
2-ينظر العقل الفلسفيّ إلى الأُلوهيّة نظْرة المنكر أو المهمل لها، ويعتبرها من صناعة عقل الإنسان ووهمه، ويفسر ذلك من خلال نظريّة (الطوطم وتطوّر الأديان) وهو في أحسن الأحوال يعتبرها قضيّة فرديّة غير ملزمة للمجتمع، وعندهم من يقول: إنّ الله خلق الكون، ولم يعد يكترث له.