علق صلى الله عليه وسلم على ذلك تعليقاً بليغاً, حيث روى الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي هريرة عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -يعني: الله عز وجل - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) .
كما ان الاستمتاع بالطيبات مما جاءت الشريعة بتقريره كما قال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } .
ولذلك روى الامام مسلم في صحيحه أن صلى الله عليه وسلم قال:
(أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)
ويمكن تلخيص هذه الاشكالية عبر تقسيم العلاقة بالممتلكات الدنيوية إلى ثلاثة مراتب رئيسية:
إما أن يكون الاهتمام ببناء الدنيا مربوطاً بغاية نصرة الاسلام وتحقيق قيمه, وإما أن يكون لمجرد اشباع احتياجات الانسان, وإما أن يكون بهدف المباهاة والمفاخرة والترف والمنافسة الدنيوية ونحوها.
فهذه المراتب الثلاث لخصها صلى الله عليه وسلم ووصف كل مرتبة بوصف بليغ جامع وذلك في حديث الخيل الشهير, فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:
(الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر, ولرجل ستر, ولرجل وزر. فأما التي هي له أجر: فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له, فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا, ولو رعاها في مرج ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجرا, ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر, حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها, ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر. وأما الذي هي له ستر: فالرجل يتخذها تكرما وتجملا, ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها, وأما الذي عليه وزر: فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء الناس, فذاك الذي هي عليه وزر)
فهذا الحديث العظيم غني بالدروس والمعاني, وهو يختصر في عبارات موجزة كل ماأرادت هذه الورقة أن تقوله وزيادة, ويهمنا فيه الاشارة الى فضل الممتلكات والامكانيات الدنيوية حين توجه الى نصرة الاسلام ويبتغى بها وجه الله, حتى أن الإنسان يؤجر على تفاصيل حركاتها التي تقع منها أثناء فعل الطاعة وإن لم يقصد الانسان تلك التفاصيل, وقد أشار الى ذلك غير واحد من شراح الصحيحين, في مقابل بؤس وتفاهة تلك الممتلكات والامكانيات اذا اتخذت للمنافسة الدنيوية.
ويمكن اجمال بعض الغايات والنتائج التي سعت اليها هذه الورقة في الخطوط التالية:
-أن العبودية هي الغاية الكبرى, أما العلوم المدنية فهي وسيلة تابعة لها.
-أن التنوير الحقيقي هو الاستنارة بالعلوم الالهية التي تضمنها الوحي, وأن الظلامية والانحطاط الرئيسي هو الحرمان من أنوار الوحي مهما بلغت درجة العلوم المدنية.
-أن اشرف مراتب العمارة هي العمارة الايمانية, وأن جوهر وظيفة الاستخلاف هو تمكين الدين.
-أن الغلو المدني هو ينبوع الانحراف الثقافي وجذر التخبطات الفكرية المعاصرة.
-أن الاسلاميين ليسوا ضد المثاقفة, ولكن لديهم موقف تفصيلي يفرق بين الانتفاع والانبهار, ويفرق بين مستويات الانتاج في الحضارات الأخرى.
-أن خطاب أنسنة التراث آل الى تغييب دور النص في تشكيل التراث, ورد العلوم الاسلامية الى عنصرين: الثقافات السابقة وصراعات المصالح, بما ترتب عليه انفصال الشاب المسلم عن نماذجه الملهمة.
-أن المغالاة في مفهوم الانسان آلت الى طمس المعايير القرآنية في التمييز على أساس الهوية الدينية.
-أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بالقرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, من أكثر شعب النفاق المعاصرة التي تستدعي التحصين الايماني.
-أن المغالاة في النسبية يقود الى العدمية, بما يترتب عليه خسارة فضيلة اليقين ومنزلة الاحسان, والاغراق في الارتياب والحيرة واللاحسم.
-أن الغضب لله ورسوله اذا انتهكت محارمهما قيمة محمودة وليس توتراً ولانزقاً ولا دوغمائية ولاوصاية ولااقصاء.
-ان الاستغراق في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة, من أعظم أسباب توهين الانقياد وذبول الدافعية.
-أن تعظيم الكلي مع تجميد تطبيقاته يؤول الى تعظيم شكلي نظري لاحقيقة له, لأن الجزئي معتبر في اقامة الكلي.
-أن الاستقامة الدينية ليست لمجرد السلامة من النار, بل لها آثار دنيوية كبرى في جلب الخيرات ودفع الكوارث.
-أن الضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لايستهان بسطوتها على العامل للاسلام الشغوف باستمالة المدعوين.
-أن استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الامكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة.