فهرس الكتاب

الصفحة 22694 من 27364

وبالطبع ؛ كانت الاستجابة لهذه التحديات مختلفة باختلاف العقائد والأفكار والرؤى والانتماءات والأفهام والعلوم ، وكل فرد أو طائفة أن يأخذ قضية التغيير مستدعياً معها التاريخ والتراث والهوية ـ للقبول أو للانتقاء أو للرفض ـ ؛ بحسب المشرب والمعتقد الذي ينطوي عليه ، والأفكار التي يؤمن بها.

فينظر إلى مسألة التغيير من عدة جوانب:

أحدهما: علماني حداثي فقضية التغيير سوف تكون وفق هذا النموذج ليست مجرد مطلب، بل (مذهباً) ينطوي على استيراد جاهز يُصبغ بصبغة محلية أو أقليمية أو عربية ؛ في عملية ممنهجة مكرسة ينتهي وصفها الإجمالي ويتلخص في أنها: استعارة غريبة يسعى وكلاء الغرب إلى استنباتها في الواقع الإقليمي والمحلي بأي شكل من الأشكال ؛ طمعاً منهم في تحقيق الفردوس (التكنوقراطي) أو النعيم (الليبرالي) ، أو جنة الخلد (الديمقراطية) -.. ونحو ذلك مما يتم التعبير عنه في الفلسفات والكنايات والتحليلات العلمانية بشكل أو بآخر .

الثاني: موقف المتقبل لقضية التغيير، بل والمعتنق لمذهب (التغيير) مع شيء من التحفظ:

وهو موقف العصرانيين من المسلمين ، والذين يؤمنون بالإسلام ولكن بطريقة عصرانية تأتي تحت مسميات وأوصاف مختلفة ؛ (العقلانية الإسلامية) ، (المسلم المعاصر) ، (الوسطية العصرانية) ، (المحايد العصراني) إلى آخر ما هنالك .

وبالجملة ؛ فإن كثيراً من أصحاب هذا الاتجاه يتركون حيزاً واسعاً للقيم الإنسانية والأخلاقية المطلقة، بل للقيم الدينية ما دامت لا تُرى واحدية المنهج ، أو تعتقد الصفاء ، أو نجاة طائفة معينة ، ولديهم قابلية شديدة لدعوة التغيير التي يرون فيها جسراً يقودهم إلى الضفة الأخرى ، والتي يحلمون أن تكون فيها أدوات التحضر والنهضة (17) .

وهناك قاسم مشترك بين هؤلاء والصنف الذي قبله ، وهو شغفهم بالتغيير ، وانفتاحهم نحوه ، واستهدافهم جميعاً «المنهج» ، غير أن الصنف الأول يستهدف (المنهج العام) الإسلام بعمومه وشموله وكماله ، والصنف الثاني يستهدف (المنهج الخاص) منهج أهل السنة والجماعة على وجه الخصوص .

كما أن هناك فارقاً جوهرياً بين الموقفين ، وهو أن الأول منهما شمولي كلي على الرغم من أن أصحابه يعلنون بصورة دائمة أنهم لا يؤمنون بأي مطلقات أو كليات .

أما الثاني (العصراني) فهو جزئي بالنسبة إلى موقفه من الإسلام ، وكلي في رغبة تغيير مفهومات منهج أهل السنة والجماعة وتطبيقاته .

الثالث: موقف الرافض لقضية التغيير أو المتحفظ إزاءها بشدة:

خوفاً من تبعاته وآثاره ، وحذراً من مخاطره وسلبياته ، وهو موقف فئة صادقة الانتماء للدين والأمة ، حريصة على عزتها ومكانتها ، ولكنها بسبب الثبات المطلق تتشبث بالقديم حتى لمجرد قدمه أحياناً، وتنفر من الجديد وخاصة في عالم الأفكار والرؤى ، حتى لمجرد جدته أحياناً .

الرابع: موقف المتقبل لقضية التغيير بشروط وضوابط شرعية وعقلية ومصلحية:

وهو موقف جمهور العلماء والدعاة ، وخاصة علماء الصحوة ، ورجالات الثقافة والفكر والأدب وغيرهم من أصحاب التخصصات التي يستند أصحابها على مبدأ الخصوصية العقدية والعبادية والفكرية والثقافية والمنهجية والتطبيقية العملية ، وهو المبدأ القائم على قاعدة: (الإسلام عقيدة وعبادة ، وأعمال وأخلاق ، وشعيرة وشريعة ، ودين ودولة ، ومصحف وسيف ، وأصالة وحضارة ) .

ولعل من الممكن ذكر أهم العناصر الرئيسة المستشفة من أقوالهم وتصريحاتهم ومقالاتهم في قضية التغيير كما يلي:

1-التغيير بمفهومه القرآني يبدأ من الداخل: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} (18) ، تغيير المعتقدات والأفكار الفاسدة التي تؤدي إلى دين فاسد ، أو دنيا فاجرة ؛ بمعتقدات صحيحة قويمة سليمة ، وتغيير المشاعر و الإيرادات السلبية ، وإحلال أخرى إيجابية مكانها ، وتغيير المسالك والأعمال الخاطئة (دينياً أو دنيوياً) ، وإيجاد البديل الصالح .

2-الدعوة إلى التغيير مطلوبة معقولة وذات مصلحة إذا صدرت من صادقي الانتماء للأمة ، ولكنها ستكون متهمة ومشكوك فيها إذا جاءت متناغمة ومتعاطفة مع حملات الأعداء ووكلائهم .

3-التغيير عملية إصلاحية كبرى ، ومع ذلك يجب ألا يتحول التغيير إلى مذهب معتنق وعقيدة متبعة ؛ لأن ذلك سيؤدي إلى التغييرات المطردة نوعاً وكماً ، في كل شيء ، وهذا يعني العدمية وعدم الثبات ، وإبطال القواعد والأصول والكليات والثوابت ، وهذا ما يسعى إليه الأعداء والمتأثرون بهم ، أو العاملون لصالحهم ، فهناك فرق بين كون التغيير مطلباً يُستدعى عند الحاجة إليه ؛ لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة، وكونه مذهباً يستعمل في كل آن ، ويستدعى في كل حين ولكل قضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت