فهرس الكتاب

الصفحة 22717 من 27364

لمثل هذا نربأ بأنفسنا وبإخواننا أن نتهم مسلماً بالكفر أو البدعة والهوى ، لمجرد أنه خالفنا في رأي إسلامي نظري ، فإن الترامي بالكفر والبدعة من أشنع الأمور ، ولقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجهاً ، ثم احتملت الإيمان من وجه واحد ، حملت على أحسن المحامل ، وهو الإيمان وهذا موضوع مفروغ منه ، ومن التدليل عليه ، لكن يفت في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين ، عن هذا الأدب الإسلامي العظيم الذي يحفظ الوحدة ، ويحمي الأخوة ، ويظهر الإسلام بصورته الحسنة ، ووجهه الجميل من السماحة واليسر ، واتساعه لكافة الاختلافات الفكرية ، والمنازع المذهبية والمصالح البشرية ، ما دامت معتصمة بالكتاب والسنة ، على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد ، والتأويل الرشيد ، ولقد حدث مثل هذا الاختلاف على عهد رسول الله بين أصحابه ، فما تنازعوا من أجله ، بل أخذ كل برأيه ، وهو يحترم الآخر ورأيه ، وأقرهم الرسو صلى الله عليه وسلم على ذلك ، ولم يُعِبْ أحداً منهم على رغم أنه يترتب على بعض هذه الاختلافات أن ترك بعضهم الصلاة في وقتها اجتهاداً منه… ] (199) .

وقال الإمام ابن عبد الهادي الحنبلي: ( وما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف وترك التعصب ) (200) .

وقال العلامة ابن القيم في نونيته:

وتعرَّ من ثوبين من يلبسهم يلقى الردى بمذمةٍ وهوان

ثوب من الجهل المركب فوقه ثوب التعصب بئست الثوبان

وتحلَّ بالإنصاف أفخر حلة زينت بها الأعطاف والكتفان

واجعل شعارك خشية الرحمن مع نصح الرسول فحبذ الأمران (201)

? كسب قلوب الناس:

فإن كسب قلوب الناس ليكونوا بعد ذلك للدعوة محبين وإليها مقبلين ولجندها مناصرين من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن يوليها الدعاة عنايتهم واهتمامهم .. وأن يكون لها نصيب كبير من تفكيرهم وتخطيطهم ..

وتأتي أهمية هذا الموضوع من جوانب عدة منها:

أولاً: أن كسب قلوب الناس طريق ووسيلة إلى تقبلهم الحق وبعض الناس معرض عن دعوة الله لعدم انسجامه مع الداعية نتيجة لبعض تصرفاته الخاطئة وقد ثبت عن صلى الله عليه وسلم أنه قال (( يا أيها الناس إن منكم منفرين ) ) (202) .

ثانياً: صنف من الدعاة لا يهتم بمعاملة الناس ولا يبالي بموقف الناس منه ولهذا نشأت بينه وبينهم هوة كبيرة حالت دون تبليغ دعوة الله في الوقت الذي نجد فيه بعضاً من أصحاب الأفكار المنحرفة أوجدوا لأفكارهم أتباعاً ولمبادئهم جنوداً وأنصاراً لأنهم عرفوا كيف يتعاملون مع الناس فكسبوا قلوبهم وحركوا نفوسهم إلى ما لديهم من باطل .

ثالثاً: أن كسب الدعاة لقلوب الناس يبدد الجهود المضنية لأعداء الدين على اختلاف مشاربهم وتباين نحلهم والتي يبذلونها في تشويه صورة دعاة الحق بما يبثونه من إشاعات وافتراءات كاذبة عبر وسائل الإعلام المختلفة.. فمعاملة الداعية للناس معاملة الأب الشفيق الرحيم الذي يحرص عليهم كما يحرص على نفسه ويحب لهم ما يحب لها يسد الأبواب أمام أهل الباطل فلا يستطيعون النيل منه أو إثارة الشبهات حوله..

رابعاً: حاجة الدعوة للتفاعل مع الناس ، وهذا التفاعل لن يثمر الثمار المرجوة منه إلا إذا أخذنا بأساليب كسب القلوب التي سنها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (203)

خامساً: أن قيام الدعاة بكسب قلوب الناس من حولهم يزيد في ترابط أفراد المجتمع المسلم ، ويجعلهم أفراداً متراحمين متعاطفين وهذا مطلب شرعي في حد ذاته:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (204) .

وهنا سؤال كبير فحواه كيف نكسب القلوب ؟!!

للإجابة عن هذا السؤال نطرح مجموعة من الوسائل لكسب ود الناس وحبهم ، وقد استقينا بعضها من رسالة للأخ / مازن بن عبد الكريم الفريح جزاه الله خيراً .

? الوسيلة الأولى: خدمة الناس وقضاء حوائجهم:

جبلت النفوس على حب من أحسن إليها ، والميل إلى من يسعى في قضاء حاجاتها ؛ ولذلك قيل:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان

وأولى الناس بالكسب هم أهلك وأقرباؤك ؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" (205) . وعندما سئلت عائشة- رضي الله عنها-: مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلميَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ ؟ .قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ (206) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت