"كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال:"يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن، ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها الا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في اسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم"رواه ابن ماجة والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وفي الحديث دليل واضح أن جور أي ظلم الحكومات إنما هو نتيجة لذنب شعبي وهو المكيال قال سبحانه وتعالي: ?وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون? (129) سورة الأنعام ولا شك أن شعوبنا قادرة على تنفيذ كثير من قضايا الإيمان والأعمال الصالحة، ولكنها لم تفعل، ولم تلتزم بمبادئها، فالأغنياء بإمكانهم إخراج زكاة أموالهم، والمتعاملين بالربا قادرون على الأمتناع، والأمهات قادرات على تربية أبنائهن تربية اسلامية صحيحة ... الخ ونستطيع أن نقول إن مسئولية تطبيق الشريعة الإسلامية تقع في أغلبها على الشعوب، ولا شك أن الإلتزام بالصلاة هو أحد أهم الأساسيات الإسلامية، كما أنها أحد المقاييس الرئيسية لقياس درجة إيمان وأعمال الشعوب، قال ابن مسعود رضي الله عنه"رأيتنا وما يتأخر عن صلاة الفجر إلا منافق عليم النفاق"وقال الإمام أحمد بن حنبل في كتابه رسالة الصلاة"وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وليصلين أقوام لا خلاق لهم" (1) وجاء في الحديث"
"إن أول ما يسال عنه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة فإن تقبلت منه صلاته تقبل عمله وإن ردت عليه صلاته رد سائر عمله"
ــــــــــــــــــــــ
(1) لا خلاق لهم: لا نصيب لهم من الدين ولا من الخير والصلاح.
فصلاتنا آخر ديننا وهي أول ما نسأل عنه غدا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام فكل شئ يذهب آخره فقد ذهب جميعه"."
4-يحكم كثيرا من الدول حكومات منحرفة، فتتذمر الشعوب، وتحدث تغييرات أو انقلابات في أنظمة الحكم، ولكن البديل يبقى سيئأ، فلا تتغير الأوضاع إلا في اتجاهات خاطئة من نوع جديد. فالانحراف الجديد لا يختلف عن الانحراف القديم إلا في الاتجاه والأفراد. وتبقى الشعوب تعاني، ويبقى الفشل والظلم ظاهرين للجميع. والنظرية الخاظئة التي تبني عليها كثير من حركات التغيير السلمية والعنيفة أعمالها هي أن الشعوب بريئة، والحكومات مجرمة، ونعتقد أن هذه النظرية غير صحيحة فالحكومات هي الصورة الحقيقية للشعوب، أي هي ليست نبتا شيطانيا، بل هي مجسم مثالي لعقائد وأخلاق وايجابيات وسلبيات الشعوب، قال الأمام ابن القيم رحمه الله في كتابه"مفتاح دار السعادة": وتأمل حكمته تعالى في تسليط العدو على العباد إذا جار قويهم على ضعيفهم، ولم يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه، كيف يسلط عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء، وهذه سنة الله تعالى منذ أن قامت الدنيا إلى أن تطوى الأرض ويعيدها كما بدأها، وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولائهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، فإن استقاموا استقام ملوكهم. وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جار ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر منهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وأن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخذ منهم الملوك ما لا يستحقونه، وضربت عليهم المكوس والوظائف، وكل ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة. فعمالهم ظهرت في صور أعمالهم، وليس في الحكمة
الألهية أن يولي على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم، ولما كان الصدر
الأول خيار القرون وأبرها، كان ولاتهم كذلك، فلما شابوا شاب لهم الولاة، فحكمة الله تأبى أن يولي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية، وعمر بن عبدالعزيز فضلا عن مثل أبي بكر وعمر، بل ولاتنا على قدرنا، وولاة من قبلنا على قدرهم، وكل الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها، ومن له فطنه إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الألهية سائرة في القضاء والقدر، ظاهرة وباطنة فيه، كما في الخلق والأمر سواء، فإياك أن تظن بظنك الفاسد أن شيئا من أقضيته وأقداره عار من الحكمة البالغة، بل جميع أقضيته تعالى واقعة على أتم وجوه الحكمة والصواب ولكن العقول الضعيفة محجوبة بضعفها عن إدراكها"ويبقى بعد هذه الكلمات الذهبية أن نقول إن إصلاح الحكومات مهم وضروري، ولكنه لن يحدث تغييرات كبيرة إلا إذا استند إلى قاعدة شعبية صالحة، فلنرفع جميعاً شعار"إصلاح الشعوب أولا"."