فهرس الكتاب

الصفحة 22820 من 27364

وقد يكون خطأ، ولكن الخطأ، هو خطأ ثانوي أي اجتهادي، وهو اجتهاد في الفروع لا في الأصول، ولا يؤدي غلى التناقض والاختلافات الجذرية كما يحدث في الاجتهاد العلماني، فالالتزام بالمعلوم من الدين بالضرورة يمنع وجود الاختلافات الجذرية، ويحقق وحدة الأمة على القضايا الأساسية، أما القضايا الفرعية فيجوز فيها الاختلاف لاختلاف العقول والتجارب الشخصية والخبرة ودرجة العلم، وقد اختلف الأئمة الأربعة وغيرهم على قضايا فرعية، وكانوا يحبون بعضهم البعض لأنه هذه من أساسيات الإسلام، فلا مكان في الإسلام الصحيح للتعصب المذهبي، أو العدواة لاختلاف الاجتهادات الفكرية أو السياسية، وليس صحيحاً إطلاقاً ان الاجتهاد جعل المسلمين مختلفين حول كل القضايا، فهناك اتفاق إسلامي حول كثير من القضايا، ونحن نتحدث عن أغلبية العلماء المخلصين قديما وحديثاً، ولا نتحدث عن اجتهادات شاذة ومرفوضة لا تجد من يقف معها، أو اجتهادات لفرق إسلامية لم تلتزم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وفي كل الأحوال فالمسلمون متفقون على قضايا كثيرة جداً أكثر من تلك التي يتفق عليها الشيوعيون أو الرأسماليون فالمسلمون الواعون تجدهم في كل مكان يحملون نفس الأفكار، ولهم نفس الأحكام والعبادات والعقائد والعادات، وتكونت مع مرور السنين ثروات عقلية هائلة من العلم والخبرة والاجتهادات والتجارب والحوارات الرفيعة والبحث العلمي والكتب القيمة، وهناك حاجة لزيادة هذه الثروات باجتهادات جديدة تناسب عصرنا، ونستفيد من خبرتنا الحياتية، وخبرة الشعوب الأجنبية، قال الدكتور أحمد كمال ابوالمجد: إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تختاج إلى اجتهاد عقلي كبير، وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقلا إنكاره، فالنصوص - قرآنا وسنة- محدودة متناهية، والحوادث متجددة غير متناهية، وحركة الزمن سنة من سنن الله، وحركة التشريع لملاقاة تلك الحركة أمر من أمر الله" (1) وكان علماؤنا المخلصون قديما"

ــــــــــــــــــ

(1) ص 41 حوار لا مواجهة - الدكتور أحمد كمال أبو المجد.

وحديثا مدارس عقلية تبحث عن الحكمة والحقائق، فزيادة دور العقل بعد جمود فكري طويل عملية تصحيحية، أما العلمانية فهي عملية شيطانية، والظن بأن المسلمين لا يستخدمون عقولهم لوجود اجتهادات قديمة ظن خاطئ، فكثير من القضايا التي تواجه الحكومات والمجالس النيابية والقوى الشعبية والدعوة الإسلامية بحاجة إلى اجتهادات جديدة، وندعو إلى تشجيع الاجتهاد الجماعي متعدد التخصصات لتشعب كثير من القضايا، قال الدكتور أحمد كمال أبو المجد:"وحين يمارس الاجتهاد، وتعرض على المشرع والفقيه ورجل السياسة حلول متعددة تقبلها الشريعة، وتتسع لها، فإن الاختيار حينئذ لا بد أن يحكمه فهم الواقع الاجتماعي وتحليل حركته، لذلك وجب أن يستقر في ذهن دعاة الإسلام والمنادين بتطبيق الشريعة أن الجهد الفقهي الخالص لابد أن يتممه عمل اجتماعي واسع حتى تأتي ثمرته رحمة حقيقية للناس" (1) .

7-من الأدلة الواضحة على ضياع العلمانيين وتخبطهم أن كثيرا من العلمانيين العرب كانوا مقتنعيين في بداية هذا القرن بالفكر الرأسمالي، أي الديمقراطية وسيادة القانون والحريات الصحفية وتعدد الأحزاب، ثم آمن أكثريتهم في منتصف القرن بالاشتراكية والحزب الواحد والمستبد العادل والإعلام المقيد، فالعلمانيون يؤمنون بالمبدأ وعكسه، ويعطون مبررات منطقية لكليهما فإذا أرادوا أن يقنعوك بالنموذج الغربي جاؤوا بأمثلة رائعة من تاريخه وواقعه وافكاره، وأصبح الغرب هو بلاد الحرية والعدل والمساواة، وإذا كرهوه جاؤوا بأمثلة سيئة من واقعه وأفكاره وتاريخه وأصبح الغرب بلاد الاحتكار والاستعمار وسيطرة الأغنياء، ونفس الأمر يفعلونه مع الشيوعية. ولقد دافع العلمانيون العرب عن الاستبداد والظلم والمعتقلات، وبرروا ذلك بحجج مختلفة لعل أهمها حماية الثورة، وعدم وعي الشعب، وفساد الأحزاب، وغير ذلك، فالعلمانية تستطيع تبرير كثير

ـــــــــــــــــــــ

(1) ص 94 حوار لا مواجهة - الدكتور أحمد كمال ابو المجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت