•…• يقول في مذكراته: إنه التقى هناك بفتاة فرنسية أصبحت صديقة حميمة له! وإنه نشأ بينه وبينها علاقة عاطفية عميقة، ولكنها بريئة،.. وإنها كانت تصحبه إلى بيوت الأسر الفرنسية والنوادي والصالونات الفرنسية، فتفتح في وجهه البيوت والنوادي والصالونات، ويكون فيها موضع الترحيب...
وسواء كان هو الذي التقى بها أم كانت موضوعة في طريقه عمدا ليلتقي بها، فقد لعبت هذه الفتاة بعقله كما لعبت بقلبه، وغيرت مجرى حياته، وجعلته صالحا للعب الدور المطلوب الذي قررت مؤتمرات التبشير أنه لابد منه لهدم الإسلام!
•…• ونحن نميل إلى تصديقه في قوله إن العلاقة بينه وبينها كانت [بريئة] .. لا بالمعنى الإسلامي للبراءة بطبيعة الحال، ولكن بمعنى عدم وصول هذه العلاقة إلى درجة الفاحشة. فإنها- على هذه الصورة- تكون أقدر على تغيير أفكاره من العلاقة المبتذلة التي تؤدي إلى الفاحشة؛ لأن الفتاة ستكون حينئذ ساقطة في حسه غير جديرة بالاحترام، وغير جديرة بأن تكون مصدراً [إلهام] ! وسواء كانت الفتاة قد [مثلت] الدور بإتقان، لتظل العلاقة بينه وبينها [روحية] و [فكرية] لتستطيع التأثير عليه، أم كانت تربيته المحافظة في الأسرة المنحدرة من أصل تركي هي التي وقفت بهذه العلاقة عند هذا الحد الذي يصفها بالبراءة.. فالنتيجة النهائية كانت انقلابا كاملا في كل كيانه.
•…• ولنحاول أن نتصور كيف حدث التغيير؟
هذا شاب عبقري، نعم، ولكنه قادم من بلاد محتلة، تحتلها إحدى الدول الأوروبية.. وهو قادم إلى أوروبا.. تلك التي يتحدث قومه عنها بانبهار المأخوذ، وتمثل في حسهم العملاق الضخم الذي يتضاءل الشرق أمامه وينزوي. فنستطيع عندئذ أن نتوقع أنه قادم إلى أوروبا وهو منخنس داخل نفسه، يحس بالضآلة والقزامة، ويتوجس أن يزدرى في بلاد العمالقة؛ لأنه قزم قادم من بلاد الأقزام، وأقصى ما يتمناه قلبه أن يجد الطمأنينة النفسية والعقلية في تلك البلاد الغربية التي لا يكاد يستوعبها الخيال!
•…• وبينما هو كذلك- منكمش متوجس- إذا هذه الفتاة تبرز له في الطريق فتؤنس وحشته بادئ ذي بدء، فيزول عنه انكماشه وتوجسه، ويذهب عنه توتر أعصابه، ويشعر بالطمأنينة في المهجر.
•…• ثم إن هذه الفتاة تبادله عواطفه- كما قص في مذكراته- فيشعر فوق الطمأنينة بالسعادة والغبطة، ويزداد استقرار نفسه فلا يعود يشعر بالغربة النفسية الداخلية، وإن بقيت الغربة بالنسبة للمجتمع الخارجي الذي لم يحتك به بعد.
غير أن الفتاة تنتقل معه- فتنقله- خطوة أخرى. فهي تصحبه إلى الأسر الفرنسية، فتفتح له تلك الأسر أبوابها وترحب به، وتصحبه إلى النوادي والصالونات فترحب به كذلك. وهنا تزول الغربة نهائيا، سواء بالنسبة لمشاعره الخاصة أو بالنسبة للمجتمع الخارجي، وينطلق في المجتمع الجديد واثقا من نفسه، واثقا من خطواته.
•…• كيف تصير الأمور الآن في نفسه؟!
•…• كيف ينظر إلى العلاقة بينه وبين هذه الفتاة؟
•…• وكيف ينظر إلى التقاليد التي تم عن طريقها كل ما تم في نفسه من تغيير؟! علاقة [بريئة] .. أي لم تصل إلى الفاحشة.. نمت من خلالها نفسه نموا هائلا، فخرجت من انكماشها وعزلتها، واكتسبت إيجابية وفاعلية، مع نمو في الثقافة، وسعة في الأفق، ونشاط وحيوية.
ما عيب هذه التقاليد إذن؟ وما المانع أن تكون تقاليدنا نحن على هذا النحو البريء،؟!
هناك بلا شك- مهما أحسنا الظن- مجموعة من المغالطات في هذا المنطق،:
المغالطة الأولى: هي دعواه ! ببراءة، هذه العلاقة على اعتبار خلوها من الفاحشة المبينة. فحتى لو صدقناه- ونحن أميل إلى تصديقه كما قلنا- فهي ليست بريئة في الميزان الإسلامي الذي يقيس به المسلم أمور حياته كلها. فهي تشتمل على خلوة محرمة في ذاتها سواء أدت إلى الفاحشة أم لم تؤد إليها. وهي محرمة في دين الله لحكمة واضحة لأنها تؤدي في النهاية- حتما- إلى الفاحشة، إن لم يكن في أول مرة- ولا حتى في أول جيل- فإنه ما من مرة أباحت البشرية لنفسها هذه الخلوة إلا وصلت إلى الفاحشة في نهاية المطاف. لم تشذ عن ذلك أمة في التاريخ!
والمغالطة الثانية: هي تجاهله ما هو واقع بالفعل في المجتمع الفرنسي من آثار مثل هذه العلاقة، وقد علم يقينا بلا شك أن ذلك المجتمع يعج بألوان من العلاقات الأخرى [غير البريئة] ويسمح بها بلا رادع. فلم يكن ذلك سرا مخفيا عن أحد ممن يعيش في ذلك المجتمع، سواء من أهله أو من الوافدين عليه. فحتى لو صدقناه في أن علاقته هو الخاصة لم تصل إلى ما يصل إليه مثلها في ذلك المجتمع- لظروف خاصة مانعة في نفسه أو في نفسها- فليس ذلك حجة لإباحة تلك العلاقات، أو الدعوة إلى مثلها، وهو يرى بنفسه نتائجها الواقعية حين يبيحها المجتمع.
والمغالطة الثالثة: هي زعمه في كتابه الأول (( تحرير المرأة ) )أن هذا التحرير لن ينتج عنه إلا الخير، ولن تنشأ عنه العلاقات الدنسة التي رآها بعينه في المجتمع الفرنسي..إنما سينشأ عنه تقوية أواصر المجتمع وربطها برباط متين!.
وأيا كان الأمر فقد عاد قاسم أمين من فرنسا داعيا لتحرير المرأة. داعيا إلى السفور ونزع الحجاب!