فهرس الكتاب

الصفحة 22933 من 27364

أما البيت.. فآخر ما تفكر فيه الفتاة الجامعية..

لقد نعت لها بكل نعت مقزز منفر.. حتى أصبح البقاء فيه هو المعرة التي لا تطيق فتاة جامعية أن تلصق بها..

البيت هو السجن.. هو الضيق.. هو الظلام.. هو التأخر.. هو..الرجعية.. هو [عصر الحريم] .. هو التقاليد البالية.. هو القرون الوسطى المظلمة.. هو دكتاتورية الرجل.. هو شل المجتمع عن الحركة، ودفعه إلى الوراء..!

إنما تتعلم الفتاة الجامعية لتعمل.. لا لتبقى في البيت كما كانت تصنع جدتها الجاهلة المتأخرة الرجعية القابعة في سجن التقاليد.. المستعبدة للرجل..

وحين تعمل تنمى شخصيتها.. تصبح إنسانة ناضجة!

أما حين تبقى في البيت.. فلأي شيء تبقى؟! لتطبخ وتغسل.. يا للعار!! أو تحمل وتلد وترضع.. إن هذا الأمر- حتى لو حدث- لا ينبغي

حتى أن يمنعها من العمل. فالمرأة [الحديثة] قد تغلبت على هذه المشكلة، ونسقت بين حياتها الزوجية وبين العمل، فلم يعد شيء يعوقها عن العمل بعد الزواج.. أما قبل الزواج فالعمل، ولا شيء غير العمل!

•…• ولسنا هنا نناقش هذه اللوثة.. ولا الآثار التي ترتبت على [ترجيل المرأة] في أوربا وإفساد فطرتها، وتنفيرها من أن تكون على فطرتها التي فطرها الله عليها، ودفعها دفعا إلى التنصل من كل ما يتعلق بأنوثتها من قيم وممارسات (وتركيز الأنوثة كلها في لحظة الجنس الدنسة المسعورة) ودفعها إلى التشبه بالرجل، وتعليمها على مناهج الرجل، وتوجيه مشاعرها إلى العمل لا إلى البيت!

لا نناقش هنا هذه اللوثة.. ويكفينا أن نشير إلى أن المرأة الأوروبية نفسها قد بدأت تتعب من لوثتها، وتحن إلى العودة إلى بيتها وفطرتها وبدأت تدرك أن اللعبة كلها لم تكن لصالحها...

إنما نتتبع فقط- في بلادنا- خط إخراج الأمة الإسلامية من الإسلام.. وتركيز المخططين على [قضية المرأة] ،لعلمهم أنها من أفعل الوسائل في الوصول إلى الهدف المطلوب.

•…• لم تكن الصحافة وحدها هي التي تعمل.. وإن كانت من أهم الأدوات.. إنما القصة والمسرحية والسينما والإذاعة..كلها أدوات.

فأما القصة والمسرحية فقد بدأتا- كما كان متوقعا- بالترجمة، وانتهتا بالتأليف. وأما السينما فقد ظلت أجنبية فترة غير قصيرة من الوقت، قام ناس فقالوا: إن من العار علينا ألا تكون لنا سينما وأفلام [وطنية] أي متكلمة باللغة العربية (نقصد العامية) فقامت [الجهود] وتكاتفت حتى برزت تلك الأفلام إلى الوجود.

•…• فأما الإذاعة فقد جاءت متأخرة نوعا ما.. ولكنها سرعان ما لحقت الركب وشاركت في الموكب [الكبير] ..

•…• لقد تكاتفت الأدوات كلها للوصول في النهاية إلى هدف واحد.. صرف هذه الأمة عن دينها وأخلاقها وتقاليدها. وإنشاء مجتمع [جديد] لا يحفل شيئا بالقيم الدينية، لا يجعلها نصب عينيه، ولا يستمد منها منهج حياته، ولا يلجأ إليها في تكوين أفكاره ولا اهتماماته ولا عاداته ولا أنماط سلوكه. لا بل إن ذكرها- في أي وقت- فهو ذكر السخرية والاستهزاء والاستخفاف. ولا نحتاج هنا أن نتحدث عن هذه الوسائل (خاصة بعد أن أضيف إليها التليفزيون والفيديو) وعن آثارها المدمرة في حياة الأمة، فهذا واقع مشهود، يشهده الناس كل يوم وكل لحظة، ويرون بأعينهم آثاره في أولادهم وبناتهم، ويرون بأعينهم كيف يعجزون عن صد آثاره المتلفة، ووقاية أولادهم وبناتهم من تلك الآثار.

إنما نذكر فقط [عينات] سريعة قد تعين في تصور التخطيط الذي يكمن وراء التنفيذ.

•…• كتبت [روز اليوسف] في مذكراتها- وكانت تقوم بالتمثيل على المسرح قبل اشتغالها بالصحافة وإصدار مجلتها التي تحمل اسمها- كتبت تقول: إنها طلبت إعانة لمسرحها من الحكومة، وكانت مصر إذ ذاك خاضعة للنفوذ البريطاني المباشر، فنصحها المندوب السامي البريطاني (وهو الحاكم الحقيقي في مصر في ذلك الحين) أن تذهب إلى الريف، وتعرض مسرحيتها هناك، فإن فعلت ذلك نالت الإعانة في الحال!.

والهدف واضح..

فالريف المصري في ذلك الوقت [مسلم] في عمومه، محافظ على بقايا من الدين والأخلاق، ومحافظ بشدة على [التقاليد] المستمدة من الإسلام (بصرف النظر عما غشاها في بعض الجوانب من الانحرافات) ومن أشد ما يحافظ عليه الريف من التقاليد- وفي الصعيد خاصة- قضية الحجاب وقضية العفة وقضية العرض.. وقضية صيانة المرأة بصفة عامة من التبذل والانحلال والانفلات!.وبقاء الريف على هذه الصورة عقبة ولا شك أمام المخططين، فالريف هو معظم مصر. ولن يؤتى المخطط ثماره كاملة إن فسدت العاصمة وحدها، وبقي الريف سليما حتى ولو في محيط التقاليد.. فإن هذا يطيل الأمر على المخططين، ويستنفذ من وقتهم وجهدهم شيئاً غير قليل (لم تكن الإذاعة قد أنشئت بعد، ولا التليفزيون بطبيعة الحال) فمن هنا يوجه المندوب السامي البريطاني [روز اليوسف] -وهو أعلم بحقيقتها، وحقيقة دورها- أن تذهب إلى الريف، لعل مسرحها ومسرحياتها أن تزحزحه قليلا عن تقاليده الصامدة، فيأخذ في حالة [الذوبان] .. فتنفرج الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت