فهرس الكتاب

الصفحة 23215 من 27364

(( بتحقيق العلم بمدلول: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) )ينجو الإنسان ويسلم من الرق المعنوي، الذي هو أفظعُ وأنكى من كلِّ رقٍ حسي؛ لأنَّ الرق الحسي يشعر به صاحبه، فيتمنى انتهاءه، ويسعى لإزالته والتخلص منه حسب مجهوده، ولكن الرق المعنوي لا يشعر به صاحبه، بل على العكس ينقلبُ تصوره له تحررًا وتقدمًا، فيتمادى باستحسان حاله، دون أن يخالجه أدنى شيءٍ من الامتعاض والإحساس، والمسلم المؤمن الصادق لا يرتبط في جميع أحوال سيره بعجلة أحد ولا تبعية أحد، لسلامته من الرق المعنوي بإخلاص مقاصده لله، وكونه مستعينًا به فقط، فلا يخشى من أي قوة، ولا يستعينُ بكتلة على كتلة أخرى؛ حتى لا يصغي إلى ما تمليه.

وأصحاب الرق المعنوي يعادون الحر الذي على هذه الشاكلة، بدافع من طبيعتهم السافلة، أو بإملاءٍ من أسيادهم الذين يركنون إليهم، ولا سبيل لتطهير قلوبهم من ذلك إلاَّ بما يحرر أرواحهم من القيام بتحقيق مدلول: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) ( [6] ) أهـ .

مما سبق من النقولات النفيسة حول حقيقة الحر والحرية، يتضحُ لنا ما يلي:

1-أنَّ الإنسان لا يبلغ الكمال في العزة والشرف والحرية، حتى يتخلصَ من عبودية البشر، ويخلص عبادته لله وحده لا شريك له بكل ما تعني العبادة من معانيها الشاملة، وقد وصل إلى هذا الكمال أنبياء الله عز وجل ورسله- عليهم الصلاة والسلام- وعلى رأسهم إمامهم نبينا محمد e ، حيث خاطبهُ ربه سبحانه في أعلى مقاماته التي وصل إليها: مقام تلقي الوحي، ومقام الإسراء بوصف العبودية، باعتبارها أرقى وأعظم وأشرف منزلةً يرقى إليها الإنسان.

قال تعالى: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ) ) (الكهف:1) .

وقال عز وجل: (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ) ) (الإسراء: 1) .

2-أن من علق قلبه بمخلوقٍ وأحبه، وذل له وعلق عليه نفعه وضره، فقد سقط في ربقة الرق والعبودية له، وأصبح أسيرَ القلب لمن تعلق به ذليلاً له، وهذه حقيقة الرق والأسر والذل، ولو كان فيما يظهر للناس سيدًا حرًّا طليقًا، إذ المأسور حقيقةً من أُسر قلبه عن ربه، والمحبوسُ من حُبس قلبه عن عبادة ربه، وأسرُ القلب أعظم من أسر البدن.

والحرُّ حقيقةً هو من أخلص عبوديته لله عز وجل ورفض عبودية من سواه، ولو كان مملوكًا أو مأسورًا أو مسجونًا، أو تحت القهر والتعذيب، لأنَّ غاية ما يملكه المالك أو الآسر والقاهر هو جسد المملوك أو المأسور، أمَّا قلبه فلا يستطيعون عليه صرفًا ولا تحويلا، لأنَّ فيه قوةُ رفضٍ لا يملكون التصرف فيها، وذلك بما فيه من العبودية الخالصة لله عز وجل، والتي أورثت صاحبها الحرية والعزة والشرف والاطمئنان، وهذا هو الذي يفسر لنا ذلك الثبات العظيم لأنبياء الله عز وجل، ودعاته الصالحين، وهم يتعرضون لصنوف الأذى والسجن والتعذيب.

3-إن الذين يتشدقون وينادون بالحرية، ويطالبون بتحقيقها في المجتمعات، ثم هم ينشدونها في نظم جاهليةٍ بعيدةٍ عن المصدر الحقيقي للحرية، وهو عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له، إنَّما هم ضالون مضلون، صادون عن سبيل الله عز وجل، إذ لا حرية حقيقية إلاَّ في نقل الناسِ من عبادة غير الله عز وجل إلى عبادة الله وحده، وبدون ذلك فهو الرق والاستعباد، والذلة والشقاء، مهما تشدق أصحاب هذه المطالب باسم حقوق الإنسان أو غيرها.

والواقعُ المرير الذي تعيشه البشرية اليوم أكبر شاهد على ذلك، حيثُ تحولت البشرية اليوم إلى استعباد القوي للضعيف والكبير للصغير، وذلك على مستوى الأفراد والطوائف والدول، ثم إذا نظرنا إلى الحرية التي يطالبون بها، وجدنا معناها عندهم التحرر من عبادة الله عز وجل وأوامره ونواهيه، وانطلاق الناس في حياتهم كالبهائم بل أضل، وهم بذلك قد ركسوا في الرق الحقيقي والعبودية الدنسة، حيث أصبحوا عبيدًا لشهواتهم وكبرائهم ومناصبهم ونسائهم، فاستبدلوا بعبادة الله عز وجل التي فيها العزة والكرامة والحرية، عبادة بعضهم لبعض، وعبادة الأهواء، حيث الذلة والمهانة والرق الحقيقي.

4-ويحسن بهذه المناسبة التعريج على ما يسمى ( بتحرير المرأة ) ، هذا المصطلح الخبيث الذي يرفعهُ اليوم المتبعون للشهوا ت، ويريدون أن يميلوا بالناس ميلاً عظيمًا، فماذا يقصدون بتحرير المرأة ؟

إنَّ الجواب أحسبهُ قد صار واضحًا في ضوء ما سبق تقريرهُ حول التحرر والحرية.

إنَّهم يقصدون بتحريرها هنا ذلك المفهوم الجاهلي الدنس، الذي يرمي إلى أن تتفلت المرأة من عبادة ربها عز وجل ومن كل فضيلة وعفة وحياء، لتصبح مستعبدة رقيقة لشهوات الشياطين، وبيوت الأزياء وصيحات الموضات، التي تخلع عن المرأة أجمل شيءٍ ركبه الله عز وجل فيها وهو حياؤها وعفتها، فهل هذا هو تحرير المرأة، أو هو إذلالها واستعبادها واسترقاقها؟

إنَّ التحرر الحقيقي للمرأة ولغيرها، لا يكون إلاَّ في هذا الدين الذي جاءَ لتحرير الإنسان من عبودية الأشخاص والأصنام والأهواء إلى عبودية الله عز وجل الواحد القهار، والتي فيها وحدها العزة والكرامة والحرية والتحرير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت