ولكنّ التاريخ عرف نماذج من الدول انحرفت فيها الدولة عن القيام بهذه المهمّة الأساسية، التي من أجلها وجدت، بل لم يقف انحرافها أحيانا عند عجزها عن توفير شروط النهضة، وإنّما تحوّلت إلى عوامل مضادّة، تعطّل المجتمع عن حركة النموّ الحضاري، وتعطّل طاقاته الذاتية عن النهضة، ونحسب أنّ الدولة العربية الحديثة ليست ببعيدة عن أن تمثّل هذا الأنموذج المعطّل للنموّ الحضاري للأمّة العربية.
لمّا نشأت الدولة العربية الحديثة كان أمام صانعيها أنموذجان للدولة مرشّحان للاقتباس منهما، والاستفادة من التجربة الحضارية فيهما: أنموذج الدولة الإسلامية، كما رسمت معالمها التوجيهات الدينية، وكما تحقّقت في التجربة التاريخية، وأنموذج الدولة الغربية الحديثة، كما هي قائمة بالفعل في البلاد الأوروبية، على وجه الخصوص.
ولم تكن الدولة الإسلامية محلّ نظر ودرس من قِبل أولئك الصّنّاع، بنيّة الاقتباس منها، بالرغم من أنّها تمثّل مخزونا حضاريا ثريّا للأمّة، في شأن الحكم والبناء الحضاري، بل صُرف عنها النظر بصفة شبه مطلقة، واستدارت الأنظار كلّية إلى الدولة الغربية الحديثة، التي أعشى بهرجها الأبصار، لتكون محلّ الاقتباس بل المحاكاة والاحتذاء.
وقد كان لهذا الموقف غير المنطقي من الناحية المنهجية، وغير الوفيّ من الناحية الثقافية والحضارية، أثر بالغ السوء في بناء الدولة العربية الحديثة، وفي علاقتها بالمجتمع، وفي نتائج إدارتها للأمّة من أجل النهضة.
ربّما كانت بعض سلبيات الدولة الإسلامية، كما تحقّقت في واقع التاريخ،مثل ما فشا فيها من استبداد سياسي،ومثل قصورها في بناء المؤسّسات السياسية الثابتة، صارفا حاسما عن النظر فيها، من أجل الاقتباس، ولكنّ ذلك كما أنه خطأ منهجي، كان أيضا صارفا عن استفادة قيّمة من جوانب إيجابية كثيرة في تلك الدولة، أثبتت التجربة نجاعتها في إدارة المجتمع، وفي تحقيق النموّ الحضاري، فخسرت الدولة العربية الحديثة بذلك مصدرا مهمّا من مصادر البناء المثمر، وحصدت نتيجة خطئها فشلا في إدارة المجتمع، واستنهاض قواه الفاعلة.
نتائج استبعاد الخبرة الإسلامية
ولعلّ من أهمّ إيجابيات الدولة الإسلامية، التي حرمت منها الدولة العربية الحديثة، فباءت في شأنها بالخسران، ما كانت تلك الدولة تتيحه للمجتمع من هامش واسع لحرّية التصرّف في الشؤون العامّة، ومن المسؤولية في البناء الحضاري، إذ لم تكن الدولة الإسلامية تقبض من السلطات بصفة قويّة مباشرة، إلاّ على سلطة الأمن، بالمعنى الموسّع، الذي يشمل دفع العدوان الخارجي، وإقامة العدل بين الناس، وإشاعة الطمأنينة فيهم، وذلك من خلال مؤسّسات الجيش والشرطة والحسبة والقضاء وما في حكمها، وأمّا المهامّ البنائيّة فهي في مجملها تركت في إنجازها للأمّة، ولم يكن للدولة إلاّ دور الإشراف العامّ، وتوفير الشروط الممكّنة من الابتكار ومن الإنجاز.
لقد كان المجتمع الإسلامي، هو الذي يمارس مهمّة التربية والتعليم، من خلال المؤسّسات التعليمية الأهلية، ويمارس مهمّة البناء الاقتصادي، من خلال مؤسّسة الأوقاف، ويمارس مهمّة الرّعاية الاجتماعية، من خلال مؤسّسات التكافل، في دوائر اجتماعية متعدّدة، ولمّا كانت هذه المهامّ ذات البعد الاستراتيجي في البناء الحضاري قد تكفّلت بها الأمّة، فإنّها لم تتأثّر كثيرا بما تعرّضت له الدولة من اضطرابات سياسية، بل ومن انكسارات عسكرية مدمّرة، فقد ظلّت الحضارة الإسلامية تنمو في شتّى المجالات، بالرغم ممّا أصاب الدولة من انتكاسات، وما تعرّضت له من أحداث طامّة.
وعلى سبيل المثال فإنّ الدولة الإسلامية لمّا كانت تتعرّض للاضطراب الشديد بالانتقال من الأمويين إلى العبّاسيين، وبالفتنة بين المأمون العباّسي وأخيه الأمين، فإنّها كانت في الوقت ذاته تشهد أزهى عصورها في البناء الحضاري العام، فقد كان الحكم منهمكا في الفتنة، وكانت الأمّة بما لها من استقلالية منهمكة في البناء.
وقد لا يجد المؤرّخون تفسيرا غير هذا التفسير لحقيقة استمرارية الحضارة الإسلامية، بالرغم من تعرّض الدولة الإسلامية لطامّات، عرف التاريخ سقوط حضارات عاتية، بسبب ما هو دونها من الخطوب بكثير.
والدولة الحديثة في الغرب حينما اتجه ناحيتها بُناة الدولة العربية للنسج على منوالها، كانت قد انتهجت في إدارة الحياة نهج الإشراف المباشر على المرافق العامّة، التي كانت تضطلع بها الأمّة في الدولة الإسلامية، فتولّت هي التخطيط والتنفيذ، بصفة كاملة لشؤون التربية والاقتصاد والرعاية الاجتماعية وغيرها من المهامّ الاستراتيجية، ولكنّ هذا التولّي المباشر لتلك الشؤون، كان بتفويض من الأمّة، ونيابة عنها، وفق عقد مراضاة بين الطرفين، تقرّر فيه الأمّة ما تشاء، وتنفّذ فيه الدولة تلك القرارات، تحت المراقبة والمحاسبة من الوكيل المفوّض، فصار ذلك يشبه أن يكون وجها آخر لتولّي الأمّة لشؤونها الاستراتيجية ،كما انتهجته الدولة الإسلامية بصفة مباشرة، ولكنّه وجه مبنيّ على قواعد من المؤسّسات الثابتة والقوانين الملزمة.