إنه لايشك عاقل فضلاً عن عالم أن ماحدث في المنتدى الاقتصادي في جده منكر عظيم ، وإن تلك المناظر الشوها التي حدثت فيه لاتمثل والله المجتمع المسلم في هذه البلاد على الرغم من إساءتها إليه فهي لاتمثل إلا فئة قليلة لاقبول لأطروحاتها في المجتمع لأن ماتطرحه يعد نشازا بكل ماتحمله هذه الكلمة من معنى ، ولعل بيان سماحة المفتي وفقه الله في هذا الشأن قد وضع النقاط على الحروف وقد أظهر الحق الذي جاشت به صدور أهل الخير والإصلاح والغيرة مما لم يأخذ حقه في الظهور في الصحف ووسائل الإعلام بكل أسف.
البيان جاء قوياً وصريحاً لصراحة المنكر وفداحة ما جرى في مؤتمر كان يتوقع منه أن يكون محلاً للنقاش حول القضايا الاقتصادية وما يتعلق به، فإذا به يتحول إلى مهرجان للسفور، ونبذ الحجاب، واختلاط الرجال بالنساء في حركة صارخة مضادة لما عليه دين البلد وعاداته، وفي حركة ذكرتنا بما جرى من القائمين على تحرير المرأة في مصر مطلع القرن حين حولوا مظاهرة قامت للتنديد بالاستعمار إلى مظاهرة ضد الحجاب، وتحول النداء من المطالبة بطرد المستعمر إلى المطالبة بترك الحجاب ونبذه بالكلية . .
إن ما يقوم به البعض ممن ساءت نيته فساء عمله أو غرر به ولم يدرك خطأ ما هو عليه من استغلال المناسبات الرسمية وشبه الرسمية في تمرير ( أجندته ) الخاصة وتحويلها إلى منابر للدعوة إلى المنكر وإظهار المجتمع بغير صورته الحقيقة، بل بصورة مزورة يساهم الإعلام المحلي ( في بعض قطاعاته ) بكل أسف إلى إشاعاتها وبثها حتى ليبدو للغريب المراقب من الخارج أن المجتمع كله على تلك الشاكلة .أقول: إن ذلك العمل يجب أن يتوقف حتى لا ينجر المجتمع إلى فتنة بسبب مجموعات صغيرة مفتونة تتلاعب بالنار فتحرق نفسها وتحرق معها المجتمع كله _لا قدر الله_ .
عباد الله:
لقد مثل بيان سماحة المفتي الوالد الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ حفظه الله ورعاه نبض كل صغير وكبير في مجتمعنا الرافض لمثل هذه المظاهر النشاز وجائت كلماته حفظه الله مشخصةً للداء وواصفة للدواء مع مافيها من قطع لطريق الطامعين الذين ظنوا بمجتمعنا وعلمائنا السوء فقادهم ذلك إلى استمراء جرأتهم ، وإنه لمن المؤسف جداً أن يخرج أحدهم على قناة الجزيرة الإخبارية لكي يهون من بيان المفتي في قلوب الناس بل ويجير ذلك لصالح أوهامه المعتادة حين وصف البيان بأنه لايمثل الموقف الرسمي للدولة وأن الأمر ظاهرة صحية فهناك نساء سعوديات يشاركن في المؤتمر ويظهرن وهناك مفتي يعبر عن رأيه وهكذا يضرب بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة التي استدل بها سماحة المفتي عرض الحائط وتعد عند ذلك الأستاذ الجامعي مجرد رأي فالحكم الشرعي المستند على الدليل الشرعي مجرد رأي ومايراه هو من خزعبلات أدلتها مستنبطة من حضارة الغرب هو الشيء الصحيح .
إن تلك المظاهر التي حدثت في ذلك المؤتمر وتسببت بهز صورة هذا المجتمع النبيل في الخارج يجب أن تلقى المحاسبة فليس من المعقول أن بلادالحرمين تنادي صباح مساء وفي جميع المنابر بالتزام الشريعة الإسلامية ثم تأتي بعد ذلك مجموعة قليلة في فكرها قليلة في رصيدها الاجتماعي لتنقل صورةً أخرى عن مجتمعنا المتدين بطبيعته ولتظهرنا بصورة الراغب في الانسلاخ من دينه ، وإنه لمن الحق أن يقال أن ذلكم ظلمٌ لملايين النساءفي هذه البلاد اللاتي يرفضن التبرج والسفور.
أيها المسلمون:
إن التطور والتقدم لايكون أبداً عبر الابتذال والإسفاف ولاعبر التنكر لدين الله عزوجل الذي هو ضمانة سلامة الأمم والشعوب ، وإن اللاهثين خلف بريق المدنية الزائفة الطامعين في ترقيع دنياهم بتمزيق دينهم لن يكون لهم أبداً حضوة ولامكانةً في التاريخ بل سيكون موقعهم على العكس من ذلك وسيصنفون في قائمة سوداء تضم كل المتنكرين لحضارة أمتهم وقبل ذلك دينها وفكرها ، وإنه ليس من المستساغ عقلاً وليس من الجائز شرعاً هذا الاستخفاف بالدين الذي يمارسه مجموعة ممن استمرئوا تهوين أمر الدين في النفوس وذلك بالتقليل من شأن السفور والاختلاط الذي حرمه الله من فوق سابع سماء ليأتي من يأتي الآن ليجعل الأصل هو خروج المرأة من بيتها ومخالطتها للرجال وليفتح الباب في ذلك على جميع مصاريعه دون ضابط شرعي وكأنما هم يلهثون خلف فرصة يخشون من فواتها عليهم معتقدين أن جميع الأجواء قد تهيأت لهم متناسين أن ولاة أمر هذه البلاد لهم بالمرصاد ومتناسين أن العلماء لازالوا في الساحة ولازالت الأمة تثق بهم وتقدمهم في كل شأن من شؤون حياتها.