فهرس الكتاب

الصفحة 23856 من 27364

وفي المقابل، فإن"أفاضل الصحابة الذين لا نظير لهم؛ إنما أسلموا بقيام البراهين على صحة نبوة صلى الله عليه وسلم عندهم، فكانوا أفضل ممن أسلم بالغلبة بلا خلاف من أحد المسلمين".61

ويثني ابن حزم بدليل آخر، فيقول:"أول ما أمر الله عز وجل نبيهمحمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو له الناس بالحجة البالغة بلا قتال، فلما قامت الحجة وعاندوا الحق أطلق الله تعالى عليهم السيف حينئذ، وقال تعالى: )قل فلله الحجة البالغة ((الأنعام: 149) . وقال تعالى: )بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ((الأنبياء: 18) ".62

يقول ابن تيمية:"فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين".63

وكأني به - رحمه الله - يرد على ما سيقول الصفدي في ترجمته ، فقد قال:"وضيّع الزمان في رده على النصارى والرافضة ومن عاند الدين وناقضه، ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم لقلّد أعناق أهل العلوم بدرِّ كلامه النظيم". 64

ويقول ابن القيم داعياً إلى محاورة أهل الكتاب:"جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليولِ ذلك إلى أهله، وليخلِ بين المطي وحاديها، والقوس وباريها".65

وأما موضوع الدعوة والحوار فإنه حول أصول الدين وسبيل سعادة الدارين: ]يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[ (آل عمران: 64) .

قال الطبري:"قل يا محمد لأهل الكتاب - وهم أهل التوراة والإنجيل - ]تعالوا [ هلموا ] إلى كلمة سواء[، يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل هي أن نوحد الله، فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئاً."

وقوله: ] ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً [ يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله ويعظمه بالسجود له كما يسجد لربه، ] فإن تولوا [ يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: ] اشهدوا بأنا مسلمون[".66"

و صلى الله عليه وسلم كانت دعوته ترجماناً واقعاً لما أمر الله تعالى به من دعوة، فقد دعا r المشركين إلى الإسلام على اختلاف مذاهبهم ومللهم، وكان r يدعوهم ويحاورهم، وخص أهل الكتاب بمزيد من عنايته، وكان أبرز هذه الحوارات حواره مع نصارى نجران، ومكاتباته لملوك الأرض.

كما كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يغشى الناس في مجالسهم يدعوهم ويحاورهم، ومنه ما رواه الإمام أحمد من حديث عوف بن مالك قال: انطلق صلى الله عليه وسلم يوماً وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلاً يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضبَ الذي غضب عليه ) ). قال: فأسكتوا، ما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم، فلم يجبه أحد، ثم ثلّث فلم يجبه أحد.

فقال: (( أبيتم، فوالله إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى، آمنتم أو كذبتم ) ).

ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا أن نخرج، نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد. قال: فأقبل. فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلمون فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك.

قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. قالوا: كذبت. ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شراً.

قال رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفاً فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، ولما آمن كذبتموه، وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم ) ).

قال: فخرجنا ونحن ثلاثة رسول ا صلى الله عليه وسلم وأنا وعبد الله بن سلام، وأنزل الله عز وجل فيه: ] قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين[ (الأحقاف: 10) . 67

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت