فهرس الكتاب
وحين بُعث عليه الصلاة والسلام أكد مشروعية مثل هذا العمل النبيل والتزامه به فقال: (( ما شهدت من حلف إلا حلف المطيبين , وما أحب أن أنكثه، وأن لي حمر النعم ) )، وفي رواية أنه قال: (( ولو دعيت به اليوم في الإسلام لأجبت ) ). وفي رواية عزاها ابن كثير في السيرة إلى الحميدي: (( لو دعيت به في الإسلام لأجبت؛ تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلوماًً ) ).69 فقد أقر r اللقاء مع الكافر على مثل هذه القيمة النبيلة والخصلة الحميدة.
قال ابن حجر في الفتح:"وكان حلفهم أن لا يعين ظالم مظلوماً بمكة, وذكروا في سبب ذلك أشياء مختلفة محصلها: أن القادم من أهل البلاد كان يقدم مكة، فربما ظلمه بعض أهلها فيشكوه إلى من بها من القبائل، فلا يفيد , فاجتمع بعض من كان يكره الظلم ويستقبحه، إلى أن عقدوا الحلف , وظهر الإسلام وهم على ذلك". 70
وقال القرطبي رحمه الله:"ذكر ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه، حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وهو الذي قال فيه الرسو صلى الله عليه وسلم: (( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ) )، وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام: (( وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) )71، لأنه موافق للشرع إذا أمر بالانتصاف من الظالم".72
قال المباركفوري:"قوله: (( أوفوا ) )من الوفاء، وهو القيام بمقتضى العهد (( بحلف الجاهليّة ) )أي العهود الّتي وقعت فيها، ممّا لا يخالف الشّرع لقوله تعالى: ]أوفوا بالعقود [ (المائدة: 1) لكنّه مقيّدٌ بما قال اللّه تعالى: ] وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[ (المائدة: 2) ، (( فإنّه ) )أي الإسلام (( لا يزيده ) )أي حلف الجاهليّة الّذي ليس بمخالفٍ للإسلام (( إلّا شدّةً ) )أي شدّة توثّقٍ، فيلزمكم الوفاء به".73
قال ابن القيم:"وأمّا قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم (( شهدت حلفاً في الجاهليّة ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم , لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت ) )، فهذا - واللّه أعلم - هو حلف المطيّبين , حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم , وكفّ الظّالم ونحوه , فهذا إذا وقع في الإسلام كان تأكيدًا لموجب الإسلام وتقوية له. وأمّا الحلف الّذي أبطله فهو تحالف القبائل: بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره، ويحارب من حاربه , ويسالم من سالمه. فهذا لا يعقد في الإسلام".74
قال ابن حجر:"ذكره ابن إسحاق وغيره , وكان جمع من قريش اجتمعوا فتعاقدوا على أن ينصروا المظلوم وينصفوا بين النّاس ونحو ذلك من خلال الخير , واستمرّ العمل بهذا الحلف بعد البعثة النبوية , ويستفاد من حديث عبد الرّحمن بن عوف أنّهم استمرّوا على ذلك في الإسلام , وإلى ذلك الإشارة في حديث جبير بن مطعم...".75
ومما يؤكد ديمومة هذا الحلف في الإسلام أنه كان بين الحسين بن علي وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما بذي المروة، فكان الوليد يتحامل على الحسين بن علي بسلطانه في حقه، فقال الحسين بن علي: أحلف بالله لتنصفني من حقي، أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول.
فقال عبد الله بن الزبير، وهو عند الوليد، حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا بها لآخذن سيفي، ولأقومن عنده ومعه، حتى ينصف من حقه، أو نموت جميعاً".76"
وقد يشكل هنا قول صلى الله عليه وسلم: (( لا حلف في الإسلام ) )، فيفهم منه قطع الحلف، وهذا المعنى غير صحيح، فالرواية في صحيح مسلم من حديث جبير بن مطعم: (( لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) ).77
وتأكيداً لهذا الفهم نسوق رواية البخاري عن أنس بن مالك، لما سئل: أبلغك أن صلى الله عليه وسلم قال: (( لا حلف في الإسلام ) )؟ قال: قد حالف صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري. 78
قال الطبري:"ما استدل به أنس على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه , فإنّ الإخاء المذكور كان في أوّل الهجرة ، وكانوا يتوارثون به , ثم نسخ من ذلك الميراث وبقي ما لم يبطله القرآن، وهو التّعاون على الحقّ والنّصر والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس: إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له."79
وقال القرطبي:"قال العلماء: فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده الإسلام، وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله: (( لا حلف في الإسلام ) )والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجاباً عاماً على قدر من المكلفين، وجعل لهم السبيل على الظالمين، فقال تعالى: ]إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم[ (الشورى: 42) " .80