ويقول:"كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإنْ كنا عالمين ببطلان ما يقوله اتباعاً لقوله تعالى: )وجادلهم بالتي هي أحسن ((النحل: 125) وقوله: )ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن (( العنكبوت:46) ، وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسولل ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل، وإن جعلوه من المعقول بالبرهان أعظم من أن يبسط في هذا المكان".144
وقال الشيخ ابن سعدي:"فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه الحق أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلاً ونقلاً، ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود".145
لكن هذا لا يعني موافقة الآخر على أصوله الباطلة قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والله تعالى لا يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم إنْ لم تكن علماً، فلو قُدرَ أنه قال باطلاً، لم يأمر الله أن يحتج عليهم بالباطل، لكنَّ هذا قد يفعل لبيان فساد قوله وبيان تناقضه، لا لبيان الدعوة إلى القول الحق ودعوة العباد إليه..".146
7-إنصاف المخالف بذكر إيجابياته وموافقته فيما يصدر عنه من حق
المسلم رائده الحق، والحكمة ضالته، فهو يأخذها ويقر بها بلا غضاضة، من أي طريق جاءت، فالرسو صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة عن الشيطان مصدر الشرور والآثام: (( صدقك، وهو كذوب، ذاك شيطان ) ).147
وعلى هذا الأدب درج أصحاب صلى الله عليه وسلم فأقروا لمخالفيهم ما عندهم من صور إيجابية، قال المستورد القرشي وهو عند عمرو بن العاص: سمعت رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول: (( تقوم الساعة والروم أكثر الناس ) ). فقال له عمرو: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلَم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.148
ولا غرو في ذلك الإقرار للمخالف بمزيته، فقد أدبهم القرآن وصاغهم ، حين دعاهم إلى التزام العدل مع المخالفين ]ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى[ (المائدة: 2) .
فقد قال تعالى مثبتاً بعض خصال الخير لأهل الكتاب: ] ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلٌ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[ (آل عمران: 75) .
وكذا أثنى صلى الله عليه وسلم على النجاشي بما فيه من خِلال الخير، وهو يومئذ على الكفر، فقال لأصحابه: (( إن بالحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحد , فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجاً ) ). 149
وفي درس بليغ آخر يقبل صلى الله عليه وسلم من يهودي نصيحته، ففي الحديث ترويه قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت: أتى حبر من الأحبار رسولَ ا صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، نِعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون؟ قال: (( سبحان الله! وما ذاك؟ ) )قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة.
قالت: فأمهل رسول ا صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال: (( إنه قد قال [أي حقاً] ، فمن حلف فليحلف برب الكعبة ) ) .150
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول:"اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً - أو قال فاجراً - واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نوراً".151
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول:"ولكنّ الحق يقبل من كل من تكلم به".152
وهكذا فإن الحق رائد المحاور المسلم، كائناً من كان قائله، ورفض الحق والاستكبار عن قبوله من الآخر مجاف لآداب الإسلام، الذي يوصي المؤمنين: ]ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى[ (المائدة:2) .
8-حسن الاستماع للمحاور الآخر
من أهم الآداب التي لا ينفك عنها الحوار؛ حسنُ الاستماع للمحاور الآخر، إذ لا يمكن تحقيق المرجو من الحوار إذا كان من طرف واحد، بل لا يمكن تسميته حينذاك حواراً، ولا يخفى أن المحاور المسلم سيسمع من محاوره نصرة لدينه الباطل وكفراً بالمعتقد الحق الذي يدعو هو إليه، لكن سماعه لذلك ضروري ليُسمع الآخرين هدي الله.
وقد جلس صلى الله عليه وسلم إلى عتبة بن ربيعة يستمع إليه، وهو يعرض على صلى الله عليه وسلم حطاماً من الدنيا، ويطلب منه التخلي عن دعوته ودينه في مقابلها، يقول ابن هشام:"حتى إذا فرغ عتبة ورسول ا صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: (( أقد فرغت يا أبا الوليد؟ ) )قال: نعم. قال: (( فاسمع مني ) )قال: أفعل".153
ومن هذا الأدب السامي استلهم عطاء بن أبي رباح خصلة من خصال الخلق الجم، فيقول:"إن الرجل ليحدثني بالحديث، فأنصت له، كأني لم أسمعه، وقد سمعته قبل أن يولد".154