فهرس الكتاب

الصفحة 2388 من 27364

بل هذه الولاياتُ المتحدةُ الأمريكية، قبلةُ المفتونين, ومَضربُ المثلِ في القوةِ والاتحاد، لدى الانهزاميين في شرقِ المعمورةِ وغر بها.

هاهي الدولةُ الكُبرى، والقوةُ العظمى، قدْ بدأتْ فيها بوادرُ الفُرقةِ والانهيار, فقد أظهرتْ بعضُ الولاياتِ الغنية كثيراً من التبرمِ والتضجر، من جراءِ تحملِها عبءَ الولاياتِ الفقيرة واستنزافِها لحجمٍ هائلٍ من مواردِها الاقتصادية, وعوائدِها المالية، ناهيكَ عن نشوبِ النزاعاتِ العرقيةِ بين الطوائفِ المتنافرة ذاتِ الأصولِ المختلفة، والتي قدمتْ البلادَ من أوطانٍ شتى تحملُ ثقافاتٍ متباينة، وولاءَاتٍ متضاربة.!

إنها نماذجُ نسوقُها من بلادِ الكفرِ والإلحاد، ليعتبرَ بها المخدوعون ببريقِ الكفارِ وزيفِهم, لعلمنا بأنَّ البعض لا يكفُّ عن سفههِ، ولا يتوقفُ عن حماقتهِ, ولا يتخلى عن رأيه, إلا حين تذكرُ له العبرةُ من أسيادهِ في الغربِ أو الشرق، هذا إن كانَ منصفاً, وإلا وما أكثرُ الناسِ ولو حرصتَ بمؤمنين .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين.

أمَّا بعدُ:

فحين تُحاكُ المؤامرات، وتُطلُ الفتنُ بوجهِها القبيح تتعالى الصيحات وتتوالى النداءات، بأهميةِ تحقيقِ الوحدةِ بين أبناءِ الأمة, وضرورةِ ترسيخِ مبدأِ التكاتفِ والتعاونِ بين الجميع, والتصدي للمتآمرين, وهذا مطلبٌ حسنٌ ما أجمله, لكنَّ السؤالَ الذي يفرضُ نفسَه، كيف تكونُ الوحدة ؟ وعلى أي شيء تَعتمد ؟ وما مقوماتها ؟! إنَّ الكيفيةَ الوحيدة، والمنهجيةَ الفريدة التي يمكنُ من خلالِها تحقيقُ الوحدةِ بين أبناءِ الأمة, هي ذات الكيفية، وعينُ المنهجية التي سلكَها رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - مع أصحابهِ يومَ أمضى ثلاثةَ عشرَ عاماً وهو يدعوا إلى تصحيحِ المعتقد، وغرسِ التوحيد في النفوس لكي يعبدَ الجميعُ إلهاً واحداً, وتتجهَ القلوبُ إليه دونَ سواه, وتصرفَ الولاءَ له وحده دون غيره .

وبتلكَ المنهجيةِ النبوية، تحققتْ الوحدةُ بين المسلمين في المدينة، في أجملِ صورِها، وأبهى حُللِها, لقد كانَ بإمكانِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرفعَ رايةَ الوطنيةَ في مكة, فيستجيبُ له أهلُ مكةَ كُلُّهم, أو يرفعَ رايةَ القومية فيستجيبُ له العُرب أجمع, وتتحققُ الوحدةُ بين الجميع تحتَ تلكَ الرايةِ الجاهلية، وبذلكَ يُجنِّب رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - نفسَه مشقةَ مواجهةِ قريشٍ وغيرها، لكنَّه عليه السلام فضَّل الصبرَ والمصابرة، والجَهدَ والعَناء، لتكونَ وحدةَ الأمة قائمةً على أساسٍ متين من العقيدةِ الراسخة، والإيمانِ القويِ المتين.

مهما تأخَّر تحقيقُ الوحدة، وتتطلبَ النفسَ الطويل.

والأمةُ اليوم إن كانتْ جادةً في تحقيقِ الوحدةِ وترسيخِها، فلتعلمْ أنَّه لا وحدةَ إلا بالتوحيد، ولا تكاتفَ ولا تعاونَ إلا إذا صحَّ المعتقد، وآمنَ الجميعُ بإلهٍ واحد, ونبيٍ واحد، وقرآنٍ واحد, وشريعةٍ واحدة, وداسوا بأقدامِهم كلَّ الدعواتِ الأجنبية والعصبياتِ الجاهلية، والشعاراتِ الوافدةِ من الشرقِ أو الغرب، والتي يرفعُ رايتها ويتولَّى زمامَها دعاةُ العلمنةِ والتغريب, وأصحابُ الأهواءِ ومرضى القلوب, والذين ذاقتْ الأمةُ بسببِهم الفُرقةَ والقطيعة، والنزاعات والقلاقل, في أنحاءَ شتىً من عالمِنا الإسلاميِ الكبير, ألا إنَّها دعوةٌ مشفقة إلى العودةِ إلى الإسلام عودةً شاملةً، عقيدةً وشريعةً, ومنهجَ حياة .

ألا إنَّها دعوةٌ، إلى العودةِ إلى الأصول التي قامتْ عليها دولةُ الإسلامِ الأولى, وتصحيحِ الأوضاع، وتقويمِ المسيرة, واستكمالِ النقص، وتسديدِ الخلل, وإلا رحم الله أبا الدر داء ورضي عنه إذ يقول: ما أهونَ الخلقِ على الله إذا هم خالفوا أمره, وبدَّلوا شَرعه.

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة.

اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي.

اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت