فهرس الكتاب

الصفحة 23978 من 27364

ومنذ أن كشّرت الإدارة الأمريكية عن أنيابها بشأن علمنة التعليم في المنطقة العربية والإسلامية، وهو ما عبّر عنه العديد من مسؤوليها وأبرزهم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، الذي انتقد المدارس الإسلامية في المنطقة العربية، وقال: إن على أمريكا تشجيع نظام تعليمي غير متشدد في العالم الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت والعمل داخل المؤسسات الأمريكية -وعلى رأسها مكتب وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى الذي أنيط به الإشراف على تنفيذ برامج تغيير المناهج الدراسية في منطقة الخليج- جارٍ على قدم وساق، والمثير للدهشة ما أشار إليه تقرير أعدته وزارة الخارجية الأمريكية من أن نصيب منطقة الخليج بلغ 300 ألف دولار من ميزانية تغيير مناهج التعليم في المنطقة العربية والإسلامية لدفع ما أسماه بـ"الإصلاح التعليمي"في دول المنطقة وفي إطار سعيها لتهدئة المشاعر المعادية لها، وذلك من خلال تحديث المناهج الدراسية وطرق تدريسها في عدد من الدول على رأسها: البحرين، والكويت، وعمان، وقطر، والإمارات، واليمن. وهو مبلغ شديد التواضع ومن المؤكد أنه أنفق ـ في الغالب الأعم ـ في مجال العلاقات العامة، بما يعني أن تكلفة تغيير المناهج في الخليج ستغطى محليًّا بصيغة أو أخرى!.

ثوابت..

وفي إطار اهتمام وتركيز الإدارة الأمريكية على علمنة مناهج التعليم الإسلامي، وهو الأمر الذي يطال - حسب التصريحات الأمريكية ذاتها- تغيير ثوابت وأصول في الدين الإسلامي، فإن الحديث يجري عن السعودية ومصر والكويت كدول تتصدر قائمة الدول المستهدفة بسياسات علمنة التعليم، ففي السعودية يعتمد النظام التعليمي في الأساس على تدريس علوم الدين الإسلامي من قرآن وفقه وحديث فضلاً عن التحديات الكبيرة التي واجهتها المملكة في أعقاب أحداث 11 من سبتمبر والتي جعلت الإدارة الأمريكية -تحت ضغوط اللوبي الصهيوني- تتعامل معها وكأنها بؤرة لتفريخ الإرهاب بعد أن ادعت أمريكا تورط 15 سعوديًّا في تنفيذ الهجمات ضد برجيّ مركز التجارة العالمي. وفي مصر هناك حملة شديدة ومركزة على الأزهر الشريف ومطالبة أمريكية بإجراءات جذرية لتطوير التعليم الديني في مصر وصبغه بصبغة حديثة ويتواكب مع هذا حملة ترهيب أمريكية هددت مسؤولي الأزهر وقياداته صراحة بأنه لا خيار في الموقف من مناهج التعليم السائدة، فإما قيادة تطوير التعليم الديني في المنطقة أو إدراج الأزهر نفسه في القوائم الأمريكية للإرهاب. وكذلك تتعرض الكويت لضغوط متتالية من أجل إحداث تغييرات جذرية في نظم التعليم تمهد لتسويق القيم الجديدة التي تدعو لها مبادرة الشراكة الأمريكية ـ الشرق أوسطية، وهو الأمر الذي يحاول البعض هناك تمريره بوتيرة متسارعة، رغم المقاومة العنيدة التي يقوم بها التيار الإسلامي خاصة في البرلمان الكويتي، حيث يحظى الإسلاميون فيه بحضور لافت.

ولا يسع المتأمل في سياق هذه التوجهات إنكار الحضور القوي للكيان الصهيوني في الأبواب الخلفية الضاغطة باتجاه تعديل المناهج التعليمية بما يخدم توجهات الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة، ونزع روح المقاومة، وهناك من التقارير المنشورة ما يشير إلى اهتمام صهيوني كبير برصد مناهجنا التعليمية وتحديد المحاور التي تحتاج -وفق النظرة الصهيونية- إلى تعديل، ومن ذلك الدراسة التي أعدها الدكتور (أرنون جريس) ، وهو إسرائيلي الجنسية ويعمل صحفيًّا في راديو إسرائيل! والتي قام خلالها برصد وتحليل 93 كتابًا من كتب المواد الشرعية التي تدرس في السعودية، وكان من أهم نتائج دراسته أن المناهج تدَّعي أن الإسلام هو الدين الوحيد المقبول، وأن اليهود والمسيحيين هم أعداء المسلمين الأبديين، وأن كتب الجغرافيا لا تعترف بدولة إسرائيل!.

وعلى الرغم من ظاهرة الاستسلام شبه الكامل للضغوط الأمريكية باتجاه تعديل المناهج التعليمية؛ إلا أن ثمة قلقًا كبيرًا تبديه بعض المؤسسات الإسلامية، وخاصة في المجال المتصل بصلب العلوم الشرعية، ومن الدلائل المهمة على هذا القلق ذلك البيان الذي صدر في القاهرة عن مجمع البحوث الإسلامية - إحدى أهم مؤسسات الأزهر- والذي فضح محاولات التدخل الأمريكية لتغيير مناهج التعليم في مصر، وأدى إلى إحراج مؤسسات أخرى متنوعة في مصر قطعت شوطًا بالفعل على صعيد العبث بمناهج التعليم، وقد جاء في بيان مجمع البحوث الإسلامية بعد إشارته إلى تعدد التصريحات غير المسؤولة من قبل قيادات أمريكية:"ولقد تبع هذه التصريحات والكتابات دعوات غريبة وشاذة للتدخل في أخص خصائص الإسلام والمسلمين؛ فتجاوزوا التدخل في الشؤون السياسية والاقتصادية للعالم الإسلامي إلى الحديث عن ضرورة تغيير مناهج التعليم الديني، والمدارس القرآنية في بعض البلاد الإسلامية، وفي مواجهة هذه الحملة الظالمة والغربية الشاذة؛ يرى مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف أن يعلن أن التهجم على أي دين من الأديان، والسعي لتغيير أو تعديل هويّات الأمم وثقافات الشعوب إنما هو تجاوز للخطوط الحمراء يصل إلى حد اللعب بالنار وتعريض السلام العالمي لأشد المخاطر والتحديات".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت