يقول جارودي في إجابة له على سؤال من قبل محرر جريدة (تشرين) السورية حول تخليه عن الماركسية: (( أما لجوئي إلى التجربة التاريخية فأنا مُصرُّ عليها؛ لأنها الجانب الموضوعي الإيجابي في الماركسية. كما أصررت على كل ما قلته حول هذه التجربة التاريخية في كتابي"الماركسية"، وأحب هنا أن أؤكد بأنني لم أدر ظهري للماركسية على الإطلاق، ولم أقل ذلك... اخترت الحزب الشيوعي... ولا أرى تناقضاً في اختياري هذا، أي في الازدواجية...
لقد منحت الماركسية السبل والطرائق الكفيلة بوضع حد للعداوات أو الصراعات الاجتماعية... وبرغم حيرتي وقلقي، فقد حافظت على هذه الازدواجية طيلة خمسة وثلاثين عاماً، ولست نادماً على ذلك الآن بل العكس )) (3) .
يقول جارودي: (( دخلت الإسلام وبإحدى يدي الإنجيل، وباليد الأخرى كتاب رأس المال لماركس، ولست مستعداً للتخلي عن أي منهما ) ) (4) .
ويقول: (( عندما أعلنت إسلامي لم أكن أعتقد بأني أتخلى عن مسيحيتي، ولا عن ماركسيتي، ولا أهتم بأن يبدو هذا متناقضاً أو مبتدعاً ) ) (4) .
ويقول أيضاً: (( أنا جئت للإسلام بعد مسيرة طويلة تنقلت فيها بين الفلسفة المحضة والمسيحية والماركسية، وانتهيت إلى الإسلام دون التخلي عن اعتقاداتي الخاصة وقناعاتي الفكرية؛ لأن انتقالي إلى الإسلام لا يعتبر انقطاعاً من ماضٍ؛ بل هو تواصل لذلك الماضي الطويل الذي عشت فيه تجارب كثيرة، والدين الذي أنا عليه اليوم هو توفيق بين الإسلام وما سبقه من ديانات... وكوني أصبحت مسلماً فهذا لا يعني أني تخليت عن اعتقاداتي الدينية والفلسفية السابقة. لذلك فأنا عندما أنشأت متحف قرطبة للحضارة الإسلامية قبل ست سنوات في أسبانيا؛ قمت في هذه المناسبة بعقد مؤتمر ديني إبراهيمي، أسندت رئاسته بالتساوي إلى ثلاث شخصيات إسلامية ومسيحية ويهودية ) ) (5) .
وفي سؤال عن الازدواجية التي يمارسها جارودي عن إيمانه بأديان متباينة، وفلسفات متناقضة، وكان السؤال بهذه الصيغة: كيف يمكننا أن نفهم غارودي المسيحي، وغارودي الماركسي، وغارودي المسلم؟ أجاب جارودي: (( لقد قادتني حكمة الحكماء، وفي مقدمتهم"كيركغارد"(6) إلى العقيدة الإبراهيمية... وعليه فإنني لا أرى تناقضاً في اختياري هذا، أي في الازدواجية، بل على العكس إني أرى تكاملاً بين الغايات والوسائل... إن إيماني بالإسلام هو إنجاز وليس انشقاقاً، في الوقت الذي لا أنكر فيه المسيح ولا ماركس.. أنا سعيدٌ الآن وأنا في السبعين من عمري لأنني بقيت مخلصاً لأفكاري )) (7) .
وجارودي يأمل في (( تعايش في فلسطين- بين- يهود ونصارى ومسلمين، دون أن يكون أحدهم تابعاً للآخر، في وحدة التقليد الإبراهيمي المشترك ) ) (8) . ويتم هذا الأمل بـ (( التلاقي الأخوي بين الأديان الكبرى الإبراهيمية في فلسطين لجميع قبائل الأرض كما جاء في سفر التكوين ) ) (9) .
ويؤكد جارودي عدم استقلالية دين من الأديان الكتابية بالتشريع دون الآخر، بل لا بد من الأخذ بها جميعاً، وأن يفسر الحديث منها في ضوء القديم، يقول جارودي: (( التشريعات تتباين في التوراة والإنجيل والقرآن؛ بينما يشدد الله على تواصل رسالته: ينصح بالرجوع إلى أولئك الذين تلقوا الرسالة قبل القرآن، وبالتالي يوصي بالعودة إلى التوراة والأناجيل ) ) (10) ، وسبب ذلك أن الشريعة (( مشتركة بين الديانات، في حين أن الفقه يختلف بين ديانة وأخرى ) ) (11) .
ويرى جارودي أن الشريعة الإسلامية ليست صالحة لكل زمان ومكان، حتى لو كانت صادرة من وحي سماوي فيقول: (( نحن لا نسعى أبداً لأمثلة إنجازات كل المجتمعات الإسلامية التاريخية، بل نفكر بأن الادعاء باستخلاص تشريع صالح لكل الأزمنة، من نص موحٍ به، يصدر عن تمامية ضارة ) ) (12) . ويقول: (( إن اعتبار القرآن كتاباً يتضمن تشريعاً صالحاً لجميع الشعوب وجميع الأزمنة، هو بالتأكيد تأويل ضيق ومميت لمستقبل الإسلام ) ) (13) (( سيكون من المحال أيضاً الادعاءُ باستنباط قوانين سياسية عالمية أبدية مباشرة من القرآن ) ) (14) .
وبهذا المفهوم الفاسد أسقط جارودي حق المسلمين في الاحتكام إلى كتاب الله، أو أخذ التشريع منه؛ قبل أن يعرض ذلك على التوراة والأناجيل؛ ولاحظ أنه يقصد هذه الكتب بوضعها الحالي المحرف بدلالة ذكره للأناجيل بصيغة الجمع، مع ما هو معروف له ولغيره أن الإنجيل الذي أنزل على عيسى -عليه السلام- إنجيل واحد، وجارودي مقتنع بصحة الإنجيل مثله مثل القرآن، وكثيراً ما يقارن بينهما ويستدل بهما معاً (15) .