و في الفصل الثالث تعرض الكاتب إلى أهمية المنهجية في الحِوار؛ إذ يجب أن تتوافر فيه شروط ومقوّمات و آداب معينة، ثم تعرّض بعد ذلك إلى عوائقه التي هي تحصيل حاصل لعدم مراعاة الجوانب السابق ذكرها؛ إذ أشار إلى أهم هذه الشروط وبدقة، و هو يرى أن أساس نجاح الحِوار هو المنهجية الضابطة بتوفر شروط أهمها: التكافؤ، الاحترام المتبادل، تحديد أهداف و قضايا الحِوار، تهيئة الأجواء الهادئة للحِوار، الانطلاق من المبادئ المتفق عليها.
أما مقومات الحِوار فقد ذكرها بتفصيل أكثر كما يلي: حسن الاستدلال، وأن يكون البرهان صحيحاً، أهلية المحاور من حيث العلم و الثقافة الواسعة والمعرفة بالقضية المطروحة للحِوار، التجرّد وقصد الحق، الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها المتحاورون، الإيمان بالله وعدم الشرك به والتعاون في المشتركات الإيمانية بين أطراف الحِوار، و أخيراً التمسك بالأخلاق الحميدة و القيم العامة.
وأهم ما جاء به الكتاب آداب الحوار التي تضمن سلامة الحوار و نجاحه، وللخروج إلى الغاية المنشودة التي تتمثل باختصار شديد في: حسن الخطاب بالتزام القول الحسن، وتجنب الازدراء والتسفيه بين المتحاورين، تقديم الخصم و احترامه، الالتزام بوقت محدّد في الحِوار والمناقشة عند كل طرف من الأطراف، وأن يصدر الحِوار عن قاعدة قدرها أحد الأئمة الأعلام من المجتهدين المسلمين، وهو الإمام الشافعي-رحمه الله- وهي: (قولي صواب يحتمل الخطأ، و قول غيري خطأ يحتمل الصواب) ، حسن الإنصات و الإسماع و تجنب المقاطعة بإعطاء الفرصة الكافية للآخر.
الحِوار في التاريخ الإنساني
تعرض الكاتب إلى أهم الحِوارت الإنسانية و أعرقها، و كمثال عن هذه الحوارات نشير الى أول حوار في التاريخ الإنساني عند خلق آدم -عليه السلام- عندما أمر الله - سبحانه و تعالى- إبليس أن يسجد لآدم، فرفض هذا الشيطان الرجيم السجود، فعصى ربه و أطاع هواه و نرجسيّته المتعالية على بشرية آدم، وقد سرد لنا القرآن الكريم العديد من الآيات البيّنات قصة الحِوار الذي دار بين إبليس وخالقه عز وجل، و قد ورد في البحار عن قصص الأنبياء عن الإمام جعفر قال: أمر إبليس بالسجود لآدم فقال كما ورد عن ذلك: يا رب، وعزتك إنْ أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنّك عبادة ما عبدك أحد قطّ مثلها، فقال الله -عز وجل-: إني أحب أن أُطاع من حيث أريد.
ثمرات الحِوار في مجال الدعوة ، التربية و الثقافة
للحِوار ثمرات و إيجابيات عديدة في حياة البشر لكونها دعوة ربانية من الله - سبحانه وتعالى- لأنبيائه وعباده أجمعين، كحِوار الخالق -عز وجل- لإبليس وهو الذي خالف أمره عندما طلب - سبحانه عز وجل- منه أن يسجد لآدم، و لاشك أن للحِوار ثمراتٍ كثيرة للبشرية جمعاء؛ لأنها دعوة جاءت من الخالق، وهو الأعرف بقلوبهم و عقولهم و نفسياتهم، وقد أثمرت الكثير من الحِوارات عبر التاريخ الإنساني في مجال الدعوة و التربية و الثقافة من خلال إجلاء الكثير من الحقائق والتبصير بها والاهتداء للحق و الصواب، وإيجاد المؤمن الصالح و المتواضع و المتوازن في حياته، وأوجدت المثقف المنفتح المبدع و المعرفة الحقة، و الكلمة الصادقة النافعة، و في هذا الفصل الكثير من الثمرات التي سردها الكاتب بالقدر المتاح.
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا: إن الحوار الثقافي في كل المجتمعات يلعب دوراً إيجابياً في التغلب على العنف والتطرف والتعصّب؛ لأنه يسهم في إلغاء الاحتقان داخل المجتمعات، و يعمل على انسيابيّة الحِوار، وهو بذلك يفتح الانسداد المغلق على الفكر الأُحادي عند البعض تجاه الأفكار التي تقبل النقاش و الحوار، و تنفتح بالتالي آفاق التعدد و التنوع و التسامح.
فالحِوار الثقافي ثمرة عظيمة في حياة المجتمعات، و أثره يمتد إلى كل مجالات الحياة، بحكم ما تمثله الثقافة من تأثير وامتداد لكل مناحي النشاط الإنساني، المهم أن تصدق النّيات، و تتبلور المواقف، و تلتقي الأفكار و الأطروحات حول الهدف الأسمى للخير و الرقي و التقدم، فالحِوار في النهاية ضرورة إنسانية، يجب انتهاجها و قبولها كصيغة إيجابية لكل المشكلات و التوترات والانسدادات السياسية والفكرية و الثقافية و الاجتماعي