إن التعصب وأحادية الرأي آفة خطيرة، جِدُّ خطيرة، تنبع أساسًا من تنزيه الذات، وتضخم الأنا والتقليد والترديد، مما أدى إلى شيوع الانغلاق، والجمود، والتقوقع، والتقليد للجديد أو للقديم. إن القمع، والتسلط، والإرهاب الفكري، والنظر للناس على أنهم جهلة أو ذوو نيات سيئة يسد باب الحوار، ويحول الناس إلى إمَّعات منقادة انقيادًا أعمى، عندها تغيب الموضوعية في التفكير ويصبح"الأشخاص"هم سبيل اقتناع الناس بالأفكار وليس أدلتها الشرعية أو العقلية. إن ممارسة فرض الرأي على الآخرين، والإلغاء والوصاية على الثقافة والفكر، والتحدث بلغة الأستاذ تحت أية حجة أمر غير مقبول ولا مشروع، بل يؤدي إلى جلد أدمغة المتلقين، ويسهم في تشنجهم وتزمتهم، مما يلجئ البعض إلى العنف كوسيلة للتعبير عن الذات واكتساب الحقوق.
من الآفات الخطيرة أيضًا كراهية ممارسة عملية الحوار، وهي مرتبطة بتنزيه وتضخيم الذات المذكورة آنفا، إما لضعف الحجة التي تؤدي إلى بروز الرأي الآخر، أو بدعوى الحرص على وحدة الصف والكلمة، أو بدعوى ذم الإسلام للجدل مع التغافل عن نصوص وشواهد من السنة ووقائع من التأريخ تبين أن الحوار والجدال بالتي هي أحسن هو الممدوح والمطلوب.
إن من أبرز سلبيات الخطاب العربي والإسلامي المعاصر هو شيوع التفكير والتحليل العاطفي والسلبي للأحداث، وغياب العقل والفكر الناقد الذي ينطمر تحت أوهام المتابعة أحيانا أو التأصيل والتجديد أحيانا أخرى.
إن استمرار سياسات الإلغاء للشعوب، وأجواء الريبة والتربص، وعدم الثقة بين الحاكم والمحكوم، والتمكين لفئات وأفكار على حساب أخرى داخل العالمين العربي والإسلامي، واستمرار التقاتل والتهارش والتراشق بين مختلف التيارات، وعدم التركيز على نقاط الالتقاء ودعمها وتقويتها؛ سيؤدي إلى تمادي الأعداء والمنافسين في غيَّهم، وسيساعد أمريكا وربيبتها (إسرائيل) في فرض رؤيتهم وسيطرتهم لعقود طويلة قادمة.
لنبدأ بالحوار مع الأجنة في بطون أمهاتهم بتوفير جو نفسي لهذا القادم إلى الحياة برعاية الأم جسديًا ونفسيًا، ومن ثم تعليم هذا الطفل أدب المحاورة بممارسة نماذج عملية لحوار راق بين الأب والأم، وإعطائه الفرصة داخل المنزل بالتعبير عن ذاته وفق قواعد أصيلة تنبع من قيم الإسلام العظيمة، ومن ثم إتاحة المجال في سياق التفاعلات الاجتماعية، يأتي بعد ذلك دور المدرسة والمعهد والجامعة وحركة الحياة؛ لرسم معالم شخصية مستقلة مبدعة بالتربية على الحوار والمناظرة والمناقشة والمثاقفة، للوصول إلى النتائج بعيدًا عن أجواء القمع والتسلط والدكتاتورية.
إن مما يقوي ويعزز النسيج الوطني في البلدان العربية والإسلامية هو فتح باب الحوار والاستماع لما لدى شعوبهم، وعدم الحكم على النيات، وإعطاء الفرصة لكافة شرائح هذه المجتمعات للمساهمة في دعم الجبهة الداخلية، فمباركة تلك الدعوة إلى المصالحة والحوار بين الحكام والشعوب بكافة تياراتها، حتى يتوجه الجميع نحو قضايا الأمة الكبرى المرتبطة بالتنمية والاستقلالية الاقتصادية والعسكرية، وطيَّبة تلك الدعوة إلى تصالح التيارات المختلفة داخل الوطن الواحد، وعبر العالم الإسلامي طولا وعرضا.
آن لنا أن نكفَّ عن اجترار خلافات الماضي، وأن نواجه الحاضر، ونخطط للمستقبل؛ لدعم مسيرة التنمية وصولاً إلى الأهداف الكبرى على مستوى الأفراد والأوطان والأمة.
إن الحوار الجاد والصادق سيكون أداة محورية في سبيل التغيير الإيجابي الذي ينشده الملايين في العالم الإسلامي، إذا نحن طبقنا أسسه والتزمنا آدابه، انطلاقًا من مبدأ التعاون للوصول إلى الأهداف المشتركة، في إطار الثوابت الكبرى للأمة؛ لكي نتغلب على مشكلاتنا، ونساهم في حل مشكلات عالمنا المعاصر، شريطة أن ننهض أولاً بمسؤولياتنا ثم ننطلق إلى آفاق الريادة العالمية