وبالنسبة للهدم فيجب على هذه الحركات أن تسقط ثنائية الإيمان والكفر وحزب الله وحزب الشيطان، ويجب عليها أيضاً أن تتخلى عن فكرة الدين الغالب في مقابلة أديان مقهورة، فدول أوروبا وأمريكا العلمانية تعتز بدينها ومستعدة أن تقاتل دفاعاً عنه ولو لم تكن ملتزمة به، كما يجب التخلي عن فكرة الفرقة الناجية داخل الدين الواحد، وأيضاً فإن فكرة المرجعية الواحدة تصادر الحرية والديمقراطية وهي فكرة صدرها الاتجاه الماركسي التائب إلى الحركات الإسلامية، ويجب عليهم أيضاً التخلي عن قضية المخادعة بالديمقراطية، وهنا نشير إلى أن المتحدث الرسمي لجبهة الإنقاذ في الجزائر قال يوم الانتخابات"فليهنأ الديمقراطيون بديمقراطيتهم فتلك كانت آخر الديمقراطيات". وعليهم أيضاً التخلي عن الغرق في الجزئيات وترك المشترك العام الذي هو سياسي وليس دينياً .
أما بالنسبة لعملية البناء التي يجب على الحركات الإسلامية القيام بها قبل الدخول معها في حوار، فإن عليهم أن يقبلوا بالآخر بمعايير الديمقراطية المعاصرة وحقوق الإنسان والتسليم بالتعددية والإقلاع عن مقولة المرجعية الواحدة والإيمان بتعدد المرجعيات، كما أن عليهم أن يؤمنوا بتداول السلطة، وأن تداولها أقدس من الوصول إليها.
كما يجب عليهم أن يؤمنوا بالاحتكام إلى السياسة وليس إلى الكتاب المقدس والاحتكام إلى القانون لا إلى الفقه وهذه مأساة؛ لأن د.نصر أبو زيد حوسب بالفقه ولم يحاسب بالقانون، وحاكمه فقيه ولم يحاكمه قاضٍ.
ثم على الحركات الإسلامية التخلي عن فكرة (الذين يلونكم) أي قتال البلاد المجاورة حتى تتم السيطرة على العالم كله، فهذا كلام يخص طرفاً معيناً أما أن نطلقها لتكون حرباً دائمة على جميع الناس داخل المجتمع وخارجه فهذه كارثة؛ لأن سلامنا من سلام العالم، ثم عليهم الإيمان بمبدأ"السيف في الغمد"وليس لجارنا المواطن أو للدول الأخرى، فالعنف لا محل له والإرهاب مدان والدعوة سياسة بالحكمة ،ثم أخيراً يكون بيننا البرنامج وليس المعتقد أو الأيدولوجية.
لا يمكن طرح الحوار بالمنهج الغربي
الأستاذ باسم الطويسي: أحد الكتاب والمثقفين اليساريين المعروفين في الأردن، ويرأس حاليا منتدى فكري"بيت الأنباط"، قال في معرض جوابه على الحوار الإسلامي-العلماني:"لقد أخذ العرب علماً بتخلفهم الحضاري، وازدادوا إدراكاً لمدى الفوات والتأخر منذ القرن التاسع عشر، وهو التاريخ الذي يعني بداية محاولة إنتاج الوعي للذات وبحركة التاريخ من حولهم أكثر من كونه بدايات تأسيس للنهضة، وفي هذه المرحلة وضعت الجذور الأولى للكثير من المعتركات الأيديولوجية التي تلف اليوم الحياة العامة في المجتمع العربي الإسلامي، ومن بينها الصراع بين الثنائيات المنقولة".
وأضاف: إن جوهر ثنائية الإسلام والعلمانية يكمن أساساً في الجدل الموضوعي لغياب التجربة والاعتماد على النموذج المنقول ووعي الآخر في مرحلة إعادة اكتشاف الموقع من التاريخ وحركة الحضارة الإنسانية، وهنا تكمن الجينات الأولى لهذه الثنائيات.
وأشار إلى أن الغرب شهد صراعاً مريراً وطويلاً ضد العنف المادي والمعنوي للدين الذي شكل سياجاً ضخماً ومتوحشاً ضد إنتاج الحياة والحضارة، وضمن سلسلة عملية تاريخية طويلة من المعاناة والآلام، استطاع الغرب إنتاج قطيعة مع الماضي أسس على منطقها النهضة والتغير، أي الانتقال التاريخي من الارتباط بالميثاق الإلهي المستند إلى الخلاص الأبدي إلى مرحلة الذات الموضوعية المستقلة والحرة، ولقد صاحب ذلك تأسيس قانوني وتشريعي هائل ضمن عملية تاريخية طويلة أفرزت الفصل بين الكنيسة والدولة، وقانون مبدأ علمانية الدولة، وظهور المنظومات الكبرى لما سمي فيما بعد بـ"حقوق الإنسان وحرية الكائن".
إنّ ما حدث في أوروبا هو استعادة الذات الحاضرة من الغائب المنفي دوماً إلى الخلاص والخطيئة، وإنزال تاريخ الإنسان من السماء إلى الأرض.
وبين أنه في الوقت الذي بدأ فيه الغرب تدشين مشروعه على الأرض وإنزاله من السماء، كانت تأتي أولى الإشارات من جنوب وشرق المتوسط تحمل البذور الأولى على محاولات التعرف على الذات العربية الإسلامية وموقعها من التاريخ، إنها المعرفة المأزومة المرهونة باستقطابين هائلين، الأول يشد باتجاه الذات ونموذجها الغائب الموجود في الماضي، ولا يمكن تبريره وتسويته إلا بقوة التعبئة الرئيسية الهائلة التي يمتلكها الإسلام، والاستقطاب الثاني يشد باتجاه عنفوان النموذج الغربي ومنطلقاته العلمانية، ومن هنا كان الانتقاص الحضاري الأكبر الذي ارتكب بحق الفعالية الحضارية العربية الإسلامية.
وأضاف: إن السجال التاريخي الذي دام طوال القرن العشرين بين الثنائيات الفكرية والإيديولوجية (الحداثة والتقليدية، العلمانية والدين الإٍسلامي….) ، هو في حقيقة الأمر سجال ومماحكات أيديولوجية أكثر من كونها حراكاً معرفياً ينتج التاريخ، ولذلك أسباب عديدة أهمها: أن طرفي السجال قد غيّبا تجربة الذات في استعادة الوعي، واستندوا على نموذج الآخر إن كان في الدفاع عنه أو في الهجوم عليه.