إن دعوة الاسلام إلى التفاعل مع باقي الديانات والحضارات تتبع من رؤيته إلى التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون برسالاتهم السماوية، فعقيدة المسلم لا تكتمل إلا إذا آمن بالرسل جميعاً: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) البقرة: 285. بيد أنه لا يجوز أن يفهم هذا التسامح الانساني الذي جعله الاسلام أساساً راسخاً لعلاقة المسلم مع غير المسلم على أنه انفلات أو استعداد للذوبان في أي كيان من الكيانات التي لا تتفق مع جوهر هذا الدين. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولكنه يؤسس للعلاقات الانسانية التي يريد الاسلام أن تسود حياة الناس، فالتأكيد على الخصوصيات العقائدية والحضارية والثقافية، لا سبيل إلى إلغائه، ولكن الاسلام لا يريد لهذه الخصوصيات أن تمنع التفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها.
وفي سياق التفاعل الحضاري المنشود يمكن القول: إن احتمال أن تتقدم حضارة على أخرى بهذا الجانب أو ذاك كما هو الشأن بالنسبة للحضارة الغربية في عالم اليوم، ولكن القول بأفضلية حضارة على أخرى هو قول متهالك، فمن يستطيع إثبات أن هذه الحضارة أفضل من تلك أو أغرز ثقافة أو حكمة وإنسانية وتسامحاً، ولا يوجد في الواقع أي مقياس أو معيار نفيس به هذه الأفضلية في كل الجوانب؟
إن شرط ازدهار هذه القيم في أي حضارة يرتبط أساساً بمدى قدرتها على التفاعل مع معطيات الحضارات الأخرى ومكوناتها وبالتالي الاعتراف بهذه الحضارات ومحاورتها وقبول تعددية الثقافات وتفهم مفاهيم وتقاليد الآخرين، واعتبار الحضارة الانسانية نتاجاً لتلاقح وتفاعل هذه الحضارات لا صراعها فيما بينها أو استعلاء بعضها على البعض الآخر. والحضارة الاسلامية منذ نشوئها وتكونها لم تخرج عن هذا الإطار التواق إلى التفاعل مع الحضارات الأخرى أخذاً وعطاء، تأثراً وتأثيراً. لقد حمل العرب قيم الاسلام العليا ومثله السامية وأخذوا في نشرها وتعميمها في كل أرجاء الدنيا، وبدأت عملية التفاعل بينها وبين الحضارات الفارسية والهندية والمصرية والحضارة الأوروبية الغربية فيما بعد، ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة اسلامية جديدة أسهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الاسلام، فاغتنت الحضارة الاسلامية بكل ذلك عن طريق التلاقح والتفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعد عندما استيقظت أوروبا من سباتها وأخذت تستعد للنهوض مكوناً حضارياً ذا بال أمدّ الحضارة الأوروبية الغربية بما تزخر به من علوم وقيم وعطاء حضاري متنوع.
الشيء عينه يمكن قوله عن الحضارة الغربية التي لم تظهر فجأة، بل تكونت خلال قرون كثيرة حتى بلغت أوجها في عصرنا الحاضر وذلك نتيجة التفاعل الحضاري مع حضارات أخرى هيلينية ورومانية وغيرها، وبفعل التراكم التاريخي وعمليات متفاعلة من التأثر والتأثير خلال التاريخ الانساني الحديث. إن أكبر دليل على أن الحضارة الاسلامية لم تسع في أي وقت من الأوقات إلى التصادم مع الحضارة الغربية كما ينذر بذلك أصحاب نظرية الصدام الحضاري هو أن العرب والمسلمين لم يضعوا في أي زمن من الأزمان صوب أهدافهم القضاء على خصوصيات الحضارة الغربية وهويتها الحضارية، كما نجد الفكر العربي والاسلامي قد اتجه بانفتاح وقوة صوب التراث الغربي للاستفادة منه وتطويره، لقد كان هنالك فعلاً استجابة سريعة للحضارة العربية الاسلامية في تفاعلها مع الحضارة الغربية، وهذا ما لا نلمسه في الحضارة الغربية التي لا تسعى إلى الاستفادة من تراث ومعطيات الحضارات الأخرى.