إن الأمر ليس فتوى أو تشريعًا إنما هو ترتيب في البيان وتدرج في معاملة النفوس طلبا لهدايتهم ، فالدعاة إلى الإسلام يقعون في خطأ فادح إذا هم خرجوا على الناس في جميع المجتمعات بقائمة موحدة من الأوامر والنواهي ، ومطالب الإصلاح والتغيير، متجاهلين خصائص تلك المجتمعات ومشاكلها التي تتفاوت في أهميتها وإلحاحها من زمن إلى زمن ومن بلد إلى بلد .
إن الخلل في ترتيب الأولويات يزداد خطورة إذْْ يتحول الدعاة إلى أولى أمر وحكام ، وحين يشرع باسم الإسلام في أخذ الناس به وإقامة أحكامه بينهم فهم ليسوا ملزمين باسم الإسلام وشموله بتطبيق أحكامه في شؤون الناس جملة واحدة ، فهو التزام بما لا يلزم وتوريط لاسم الإسلام ودعوته بما لا ضرورة له .
وعلى أولئك الذين لا يفهمون فقه الأولويات أن يبدؤوا بكبريات الأمور وأساسيات الحكم العادل وتوفير قدر من الحرية والكرامة والعدل بين الناس وإعلان عزمهم على تنفيذ برنامج مرحلة إصلاحي تتعاقب مراحله في أناة وروية ليتعرفوا على أحكام الإسلام مرحلة بعد مرحلة وحكمًا بعد حكم حتى يقبلوا على دخول الإسلام لا الرهبة منه ، فالدعوة إلى الإسلام ينبغي أن تكون بالترغيب وليس بالترهيب .
مستقبل الأمة
سؤال:وفي ظل هذه الأوضاع الحالكة التي تواجه العرب والمسلمين .. كيف تنظرون إلى مستقبل الأمة العربية والإسلامية ؟
جواب:لا يمكن أن نستشرف المستقبل إذا لم نبذل للحاضر ، فنحن على مفترق طرق إما أن نستمر فيما نحن عليه من الكلام الكثير والعمل القليل والتشرذم الذي يزداد يومًا بعد يوم ، وإما أن تكون السلبيات التي أكثرنا الحديث عنها موقظة للهمم فاتحة للأعين جامعة للشمل محركة للأمة .
إن الوقت الذي نعيش فيه هو وقت للتوقف والحيرة ، وإن كان يحمل بذور التوجه إلى المستقبل وهذه البذور هي التي نريد أن ننميها ، وهناك بشائر وعي بضرورة قيام نهضة إسلامية ، وهو الجزء المشرق في الصورة ، فليست الصورة قاتمة ولكن بشائر الوعي والرشد وبدايات الحركة تبدو في الأفق علينا أن ننميها ونحميها ونحركها وننطلق من خلالها .
والحل - كما أراه - في العقول وسأظل أردد ذلك إلى ما لا نهاية ، فتحريك العقول وتنوير الصدور وإصلاح النفوس وإزالة الامتعاض والانكماش من نفوس الشباب هو المنطلق، ويوم أن يحدث هذا فسيرى الناس عجبًا ، وسيكون لنا في الخريطة العامة موقع من مواقع الريادة .
وأرى أنه من الضروري تحديد الحركة الواجبة الاتباع في الحاضر لتوجه التحرك إلى المستقبل توجيهًا يحقق القدر الأكبر من أهداف الجماعة المسلمة .
فما يصنعه المسلمون في حاضرهم هو الذي يحدد مصيرهم في مستقبلهم وما نحققه اليوم في واقعنا من شروط النهضة وأسباب الانبعاث هو وحده الذي يفتح أمامنا آفاق الرجاء ويطرق بنا أبواب الأمل في التغيير .
وأعود إلى ما ذكرته أن الأمة لديها من الحصافة والذكاء ما يمكنها أن تتجاوز عثرتها وتحقق آمالها بإعلام يلعب دورًا هائلاً في توجيه عقول الناس وضمائرهم إلى صحيح الدين الإسلامي ووسطيته السمحة .
وأؤكد أن الأمة حاليًا في أمس الحاجة إلى جهود علمائها ومفكريها، ويمكن للمؤتمرات والندوات الإسلامية أن تكون مفيدة في تحقيق أهدافها، وأن ننشغل خلالها بمشكلاتنا الحقيقية التي تواجه المسلمين اليوم ، ونأخذ الأمور بنية صادقة نستعين بها على حاضر الأمة ومستقبلها .
"الخطاب الإسلامي الموجه إلى الغرب"
سؤال:هناك دعوات متكررة في العالم العربي والإسلامي إلى تطوير الخطاب الإسلامي الموجه إلى الغرب .. فما رأيكم في مثل هذه الدعوات ؟
جواببداية أؤكد أن إصلاح البيت لابد أن يأتي من الداخل .. بمعنى لإصلاح شؤوننا متسلحين في ذلك: بالعلم ومتفانين في العمل ، وحيازة للثروة ، وإحرازًا للقوة ، ذلك أن حسابات أهل الدنيا قد بنيت على المال والقوة والحديد ، والدنيا لا تأخذ الحكمة من العجزة ولا تستمع أبد للضعفاء ، والصحوة الحقيقية ليست شعارًا ولا أماني ، وإنما هي جهد هائل وتبعات جسام .
ولا شك أن الدين كان وسوف يكون له دور متعاظم في توفير البنية الأساسية الأخلاقية ، وعلينا أن ندرك ونعرف حق المعرفة أن الكتاب والسنة ليسا من أمور الماضي وإنما أمران قائمان إلى يوم القيامة .
وهنا أدعو إلى ضرورة إعمال المنهج العلمي في التفكير بحيث يترافق ذلك مع الكتاب والسنة النبوية الشريفة ، وعلينا أن نسقط نهائيًا - بغير رجعة - تلك المقابلة العقلية بين العقل والنقل والتي شغلت صفحات طويلة من تاريخنا وأعوامًا من صراعنا ظلت تشغل الأمة وقتًا طويلاً في حوار غير مفيد ، وعندها سنتمكن من توجيه الخطاب المناسب إلى الآخر