فهرس الكتاب
فبعدما كانت عبادة الأصنام والأشخاص والنار والأبقار هي العبادة الأساسية المسيطرة على الشعوب، أصبحت عبادة الله ـ تبارك وتعالى ـ هي العبادة السائدة وأكثر انتشاراً، وبذلك يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أعاد دين إبراهيم وموسى والمسيح عيسى ـ ابن مريم ـ عليهم السلام، إلى الحياة مرة أخرى، بعدما حُرف الدين الحق (دين الأنبياء) من قبل الأنظمة الغابرة المستبدة، التي استعبدت الشعوب ومحقت هوية الإنسان، ومسخت فطرته ..
إن عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم البارزة للعيان ، تكمن في أنه كان حامل رسالة سماوية توحيدية ، تهدف أساساً إلى إصلاح حياة البشرية عامة، و نقلها من البربرية والوثنية إلى الحضارة التوحيدية اليقينية .. يقول مؤلف"قصة الحضارة"ـ الباحث الأمريكي وول ديوارنت ـ:
"كان صلى الله عليه وسلم نبياً كبيرا، و توحيدياً كاملاً و لم يكن له نظير جاء لإصلاح البشر" (3) .
ولقد بذل النبي صلى الله عليه وسلم مجهوداً ضخماً في سبيل نشر التوحيد ودحر الوثنية وعبادة البشر.. يبين ذلك واشنجتون إيرفنج بقوله:
"لقي الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل نشر الإسلام كثيرًا من العناء، وبذل عدة تضحيات. فقد شك الكثير في صدق دعوته، وظل عدة سنوات دون أن ينال نجاحًا كبيرًا، وتعرض خلال إبلاغ الوحي إلى الإهانات والاعتداءات والاضطهادات، بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويبحث عن مكان يهاجر إليه هنا وهناك وتخلى عن كل متع الحياة وعن السعي وراء الثراء من أجل نشر العقيدة" (4) .
ويؤكد ذلك هنري دي فاستري بقوله:".. ولقد نعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم مرّ بمتاعب كثيرة وقاسى آلامًا نفسية كبرى قبل أن يخبر برسالته، فقد خلقه الله ذا نفس تمحّضت للدين ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكي يهرب من عبادة الأوثان ومذهب تعدد الآلهة الذي ابتدعه المسيحيون وكان بغضهما متمكنًا من قلبه وكان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة في جسمه صلى الله عليه وسلم ولعمري فيم كان يفكر ذلك الرجل الذي بلغ الأربعين وهو في ريعان الذكاء ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا في العقل بحدة التخيّل وقوة الإدراك.. إلا أن يقول مرارًا ويعيد تكرارًا هذه الكلمات"الله أحد الله أحد". كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده وغاب عنا معشر المسيحيين مغزاها لبعدنا عن فكرة التوحيد.." (5) .
ودخل الرسو صلى الله عليه وسلم في صراع مع أصحاب النزعات الرجعية كما يبين لورافيشيا فاغليري بقوله:"دعا الرسول العربي صلى الله عليه وسلم بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية. وارتضى أن يخوض صراعًا مكشوفًا مع بعض نزعات البشر الرجعية التي تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى.." (6) .
وإن المبهر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه هدّم الأصنام بأيد من صنعوها وعبدوها .. وهذا لاشك من دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم
فلما دخل صلى الله عليه وسلم مكة ـ في يوم فتحها ـ متجهاً إلى البيت، وحوله ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود في يده ، وهو يقول:
"جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد" (7) .
وكان في جوف الكعبة أيضا أصناماً فأبى أن يدخل وفيها الآلهة ، وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام ، فقال صلى الله عليه وسلم:
"قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط ."ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت (8) .
إنه لا يكسر الأصنام بيديه بل يكسرها بيد من عبدوها !
ولا يطمس صور البهتان على الأنبياء بل يطمسها الذين رسموها ..!
وفيما يلي نذكر مجموعة من المشاهد التي تؤكد أن صلى الله عليه وسلم نجح في تحطيم أصنام الجاهلية، حتى حطمها في قلوب من عبدوها !
1ـ لما اطمأن رسول ا صلى الله عليه وسلم بعد الفتح؛ بعث خالد بن الوليد إلى صنم العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان ـ سنة 8 هـ ـ ليهدمها وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة وهي أعظم أصنامهم . وكان سدنتها بني شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسًا حتى انتهى إليها، فهدمها (9) .
2ـ ثم بعث الرسو صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى الصنم سواع ليهدمه وهو صنم لهذيل برهاط، على قرابة 150 كيلوا مترا شمال شرقي مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد ؟ قال: أمرني رسول ا صلى الله عليه وسلم أن أهدمه قال: لا تقدر على ذلك قال: لم ؟ قال تمنع قال: حتى الآن أنت على الباطل ؟ ويحك فهل يسمع أو يبصر ؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قال للسادن: كيف رأيت ؟ قال: أسلمت لله . !! (10) .
3ـ وفي الشهر نفسه بعث سعد بن زيد بن الأشهلي في عشرين فارسًا إلى الصنم مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد ؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك (11) .