انطلق"فوكوياما"من أن فرضيته حول"نهاية التاريخ"ما زالت صحيحة رغم الأحداث التي تلت الحادي عشر من سبتمبر، فالحداثة التي تمثلها الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات المتطورة ستبقى القوة المسيطرة، ولكنه يقع في تناقض حاد وسط المقال حين يقول:"سيكون من السذاجة الشديدة الظن بأن الثقافة الأمريكية الشعبية مهما كانت درجة إغرائها ستسود العالم قريبا",ويستدرك قائلا:"إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر تمثل حركة ارتجاعية عميقة يائسة ضد العالم الحديث الذي يبدو كأنه قطار شحن سريع لمن لا يريد ركوبه"، ويضيف:"لكننا بحاجة لأن ننظر بجدية إلى التحدي الذي نواجهه، وذلك لأن وجود حركة تملك القوة لإحداث خراب هائل في العالم الحديث حتى وإن مثلت عددًا قليلاً من الناس فحسب يطرح أسئلة حقيقية حول قدرة حضارتنا على البقاء"، ويعبر"فوكوياما"عن خشيته من أن تتحول التكنولوجيا ذاتها ضد الغرب بشكل لايستطيع هذا الأخير وقفها، وهو ما أصبح يشكو منه الكثيرون في الغرب، إلى درجة أن"توماس فريدمان"كتب قبل أيام يدعو إلى وضع نظام يقضي بأن يركب مسافرو الطائرات حفاة عراة حتى لا تتسرب الأسلحة والمتفجرات إلى الطائرات !!
إن اعتبار هجمات سبتمبر حركة ارتجاعية عنيفة ويائسة ضد العالم الحديث لايعبر عن الحقيقة كاملة، ولكنه يعكس وهمًا لدى"فوكوياما"عن أن خط التطور العالمي كان يسير بشكل مستقيم قبل وقوع الارتجاع، أي أن ما دعاه بـ"الحداثة"التي تمثلها الولايات المتحدة كانت ذات اتجاه عالمي واحد، وهو مالم يقل به أحد، فقد تعرضت هذه الحداثة المزعومة إلى عدة ضربات قاتلة حتى من داخل البيت الأوروبي المسيحي الحداثي نفسه، بسبب الغطرسة الأمريكية ونزعة الانفراد بالهيمنة، فقد تلقت أمريكا قبل الهجمات ضربات على يد أوروبا نفسها عندما لم تصوت عليها هذه الأخيرة في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وهي المرة الأولى التي تجد أمريكا نفسها خارج هذه اللجنة، وتعرضت لانتقادات واسعة بسبب إصرارها على مشروع"الدرع الصاروخي"، وبسبب التجسس على الدول الأوروبية، ثم بسبب عدم توقيعها على اتفاقية"كيوتو"الخاصة بالحد من الارتفاع الحراري الناتج عن تضخم الغازات الصناعية في الكون، رغم توقيع دول كاليابان وروسيا ممن رفضوا التوقيع قبلها. وقبل أسابيع قليلة فقط من الحادي عشر من سبتمبر كشفت الولايات المتحدة عن وجهها الحقيقي كدولة عنصرية بغيضة حين انسحبت تضامنا مع الكيان الصهيوني العنصري من مؤتمر"دوربان"حول العنصرية الذي انعقد في جنوب افريقيا، هذا علاوة على تأييدها المطلق للاحتلال الصهيوني لفلسطين وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني إبان الانتفاضة، واستعمالها حق الفيتو ضد قرار إرسال قوات دولية لحماية الفلسطينيين مرتين متتاليتين في ظرف شهور قليلة، وتوجيه الأسلحة المتطورة إلى الجيش الصهيوني للقضاء على الانتفاضة، في ذات الوقت الذي تدعو فيه إلى التفاوض والسلام. فهذه المواقف الشاذة التي تجمعت في خلال سنة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تضع الولايات المتحدة في قفص الاتهام أمام أعين العالم كله، وأن تعزلها تدريجيا، لولا أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ويذهب الكثير من المحللين حتى الأمريكيين منهم إلى أن هذه الأحداث أنقذت الولايات المتحدة في لحظة دقيقة، حتى إنها لو لم تقع لصنعتها، ذلك أن الفوائد التي جنتها من وراء تلك الأحداث تفوق بكثير الأضرار التي ترتبت عنها، فقد أعادت التفاف أوروبا حول سياستها، وأحدثت تقاربًا روسيا معها، وأوصلت قواتها إلى منطقة بحر قزوين, وأدخلتها إلى دهاليز الأسرار النووية الباكستانية لقد حققت في شهر واحد ما عجزت عنه منذ الحرب العالمية الثانية خلال نصف قرن.
الحداثة
يتحدث"فوكوياما"عن الحداثة وكأنها قالب جامد وموحد، معتقدا أن الحداثة في صورتها الغربية والأمريكية هي الوحيدة السائدة, بينما ينسى ـ وهو ياباني - النموذج الياباني للحداثة الاقتصادية والسياسية والثقافية المغاير للنموذج المذكور, إن الحداثة الغربية عمومًا والأمريكية خصوصًا تأسست على العلمانية في الأصل، بل هناك من يقول من الغربيين إن انخراط أوروبا في العلمانية كان بداية الدخول في الحداثة، أي أن العلمانية والحداثة وجهان لعملة واحدة، بينما انطلقت الحداثة اليابانية من تفجير القيم الكونفوشيوسية، أي الدينية، لامن تجاوزها، أو من القطع معها، وحتى في داخل الحداثة الغربية فهناك حداثات لاحداثة واحدة، وهي تسير بسرعات متفاوتة من موقع لآخر، كما أن الصراع بينها قائم، ويمكن هنا أن نستشهد بمثال واحد فقط، وهوالرفض الأوروبي لتحرير الثقافة والاتصال ضمن الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة"الغات"بسبب الخشية من هيمنة النموذج الحداثي الأمريكي.