أما الهدف الأبعد من وراء ذلك فهو ما تواتر عن عزم الإدارة الأمريكية الجديدة ذات القيادة المزدوجة من الإنجيليين النصارى والمحافظين اليهود الجدد، على البدء الفعلي في تنفيذ مشروع بوش الأب عن (إمبراطورية القرن الحادي والعشرين) الذي اختاروا الشرق الأوسط ليكون ساحة ابتدائية لتنفيذه، واختاروا العراق ليكون نقطة انطلاق للوصول إليه، فيصبح ذلك المشروع الإمبراطوري على هذا هو الهدف الرئيسي الجامع في داخله لكل الأهداف الفرعية والجزئية.
ومشروع بهذه الضخامة والجسامة، كان يستحق أن تحشد الولايات المتحدة لأجله الحشود، وترصد الميزانيات، وتستنفر الحلفاء، حتى تكشف أنها أنفقت للاستعداد للغزو قبل أن يبدأ أربعمائة وخمسين مليار دولار.
وكتم العالم أنفاسه بانتظار أن ينتحر مغول العصر على أبواب بغداد ـ كما توعد صدام ـ ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وتسببت عمليات (الصدمة والترويع) التي بدأت بها الحرب في إصابة العالم الإسلامي كله ـ لا العراق فحسب ـ بالصدمة والترويع، وجعلت الأنظمة والحكومات ـ بل الشعوب ـ تتحسس الأرض من تحتها، وتتحسب للدور الآتي عليها، بعد أن أنجز الأمريكيون نصراً خاطفاً في حرب سريعة ضد ما كان يشكِّل أقوى قوة عربية في المنطقة، استطاعت أن تذل كبرياء زعماء الثورة «الإسلامية» الإيرانية التي كانت تستعد للوثوب على دول الجوار!
وانفتحت شهية الأمريكيين، وانطلقوا مسارعين إلى تأمين الفريسة وإعدادها كوجبة شهية تتبعها وجبات، وإنجازٍ سهلٍ يقود إلى إنجازات، وتتابعت الخطوات:
* فور احتلال بغداد أصدر الأمريكيون المحتلون قرارات بتفكيك كل أجهزة الدولة العراقية البعثية، من جيش وشرطة ووزارات واستخبارات.
* شرعوا في تكوين أجهزة بديلة عميلة عبر مراحل متعددة، كان أولها الإعلان عن إنشاء مجلس الحكم الانتقالي برئاسة اليهودي الأمريكي (جاي جارنر) ، ثم خلفه الاستخباراتي العريق (بول بريمر) الذي عمل على اجتذاب كل العناصر المأجورة ليشكل بها وضعاً جديداً.
* أُعلن عن تشكيل مجلس للوزراء دون وزارات، بحيث يُختار الأشخاص أولاً، لينشئ كل وزير وزارته بالتعاون مع مستشار أمريكي، هو الوزير الحقيقي الذي يؤسس سياسات الاحتلال في «وزارة التحرير» !
* نظراً لأهمية تأمين هذا المشروع التآمري الوليد، كان لا بد من إنشاء جهاز شرطة عميل، يسهر على أمن الأمريكيين مضحياً بمستقبل العراق وأهله.
* تزامن مع ذلك سعي آخر لإنشاء جيش جديد، قوامه مئتا ألف جندي، لا لحماية الثغور والدفاع عن الحدود من الخارج؛ بل لتنفيذ العمليات المشتركة مع الأمريكيين ضد المقاومة في الداخل.
* ولإضفاء الشرعية على هذه التمثيلية، أعلن الاحتلال تشكيل لجنة «قانونية» لصياغة دستور عراقي جديد، وضع أسسه وفق التصور الأمريكي، اليهودي العراقي (نوح فيلدمان) ذو الجنسية الإسرائيلية الأمريكية المشتركة ليضمن هذا الدستور ألا يكون العراق إسلامياً.. لا ولا عربياً، بل عراق عراك طائفي، ونزاع مذهبي يضمن بقاء بنائه هشّاً ومفتقراً للاحتلال، ومهيّأ لأعاصير «الفوضى الخلاَّقة» التي تريد أمريكا اللعب عليها.
* ثم عُين الرافضي العلماني الجاسوس، الجامع بين تلك الظلمات الثلاث «إياد علاوي» ؛ ليكون أول رئيس لمجلس وزراء معيَّن من قِبَل الاحتلال، ثم عُين (غازي الياور) ؛ ليكون أول رئيس للعراق «المستقل» في ظل الاحتلال!
* مع الوقت شرع الاحتلال في تجسيد التقسيم الطائفي، فأعلن عن تنظيم انتخابات على أسس طائفية، اضطر معها السُّنة أن يقاطعوا الانتخابات، لتكون النتيجة تشكيل وزارة جديدة، غالبيتها من الشيعة المشايعين للأمريكيين والرافضين لأي تعاون إلا معهم أو مع إيران.
وفي ظل هذه القفزات المتسارعة لتثبيت الاحتلال بدعوى الاستقلال، وجد العراقيون الشرفاء أن العدو ليس واحداً، بل هم مجموع من متحالف من الألداء، ومع أن مقاومة هذا الأخطبوط بدأت مبكرةً في أسرع إفاقة بعد أكبر مصيبة، إلا أن المجاهدين المقاومين بدت أمامهم تحديات وعقبات كان لا بد من مواجهتها جميعاً؛ لأن إهمال شيء منها سيعني إخفاق المشروع المقاوم برمّته.
لقد وجدوا أنفسهم أمام واجب مركَّب، يحوي داخله العديد من الواجبات التي لن ينتدب أحد لحلِّها، ما لم يقفوا هم بأنفسهم لأجلها، متوكلين محتسبين، فأمامهم قوى الاحتلال الذي قال قادته: إنهم جاؤوا ليبقوا، وضمن ذلك تحديات كبيرة:
منها: الإصرار على محاولات إضفاء الشرعية على هذا الاحتلال من خلال حكومات عميلة تتكلم باسم العراقيين، وتتصرف لمصالح أجنبية أو شخصية أو طائفية.
ومنها: جهود إسباغ الشرعية عربياً وإسلامياً على حكومة الاحتلال عبر إقامة العلاقات وإنشاء السفارات.
ومنها: شبح التقسيم الذي وضعت بذوره في ثنايا الدستور الذي أصرت أمريكا وعملاؤها على تمريره.
ومنها: إشكالية التنسيق بين الخطط العسكرية والمشاريع السياسية، والتصدي لمحاولة الاحتلال وعزل كل منهما عن الآخر.
ومنها: إيجاد مواطئ أقدام ونقاط ارتكاز تنطلق منها المقاومة وتفيء إليها، مع ما يحتاجه ذلك من جهود مطلوبة لإدارة هذه النقاط أو المناطق التي يمكن السيطرة عليها.