و خامس الوقفات: أن الأدلة الموجبة لستر وجه المرأة وكفيها عن الرجال الأجانب، ووجوب الابتعاد عنهم أدلة كثيرة، وصحيحة وصريحة، ويمكن الرجوع إليها في فتاوى ورسائل أهل العلم الراسخين، ولكن يحسن أن نشير إلى أن علماء الأمة قديماً وحديثا من أجاز منهم كشف الوجه ومن لم يجزه، كلهم متفقون ومجمعون على وجوب ستر وجه المرأة وكفيها إذا وجدت الفتنة، وقامت أسبابها، بل حكى الإجماع على ذلك أكثر من خمسين عالما، فبربكم أي فتنة هي أشد من فتنة النساء في هذا الزمان، حيث بلغت وسائل الفتنة والإغراء بهن مبلغاً لم يشهده تاريخ البشرية من قبل، وحيث تفنن شياطين الأنس في عرض المرأة بصورها المثيرة في كل شئ، في وسائل الأعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وأخرجوها من بيتها بوسائل الدعاية والمكر والخداع، فمن قال بعد ذلك ، إن كشف المرأة عن وجهها أو شئ من جسدها لا يثير الفتنة، فهو والله مغالط مكابر، لا يوافقه في ذلك من له مسكة من دين أو عقل، أو مروءة، وإذا تبين ذلك فلنعلم أيضاً أن هذا القدر من الخلاف بين العلماء بقي خلافاً نظرياً إلى حد بعيد، حيث ظل احتجاب النساء هو الأصل في الهيئة الاجتماعية خلال مراحل التاريخ الإسلامي، كما قال شيخ الإسلام: (كانت سنة المؤمنين في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم - أن الحرة تحتجب) .
و قال الإمام الغزالي: (( لم يزل الرجال على مر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ) )0
إن كثرة الكلام وهن هذه القضية ، وعلى أصعدة متعددة ، بل إن وسائل الإعلام تحاول ترسيخ هذا المفهوم من خلال الدعايات الإعلانية، حينما تصور الرجل حالقاً لحيته والمرأة كاشفة وجهها، ومن خلال نشر صور النساء في الصحف، حتى بلغت في صحيفة واحدة في عدد واحد أكثر من ثلاثين صورة، ومن خلال الكتابات التي يتقيؤها غلمان الأهواء وصبيان الصحافة .
إن ذلك لأمر يثير الريبة ، فلم يحدث في تأريخ الأمة أن اجتمع العلماء المجيزين لكشف الوجه ليخرجوا على الأمة مجتمعين، يدعون النساء إلى إزالة غطاء الوجه بدعوى أن المسألة خلافية 0
كانوا يذكرون ذلك في كتبهم من باب التفقيه فحسب، أما أن يرتقوا المنابر، ويتصدروا المجالس والمنتديات ليقرروا ما ترجح لديهم، بإصرار وإلحاح لا ينقطع، ليحملوا نساء الأمة على كشف الوجه، فذلك لم يفعلوه، ولم يحصل في تأريخ الأمة مع أنهم هم الأحق بذلك إن كان في ذلك خير ، فهم مجتهدون ينطلقون من الشرع ومقصدهم نصرته 0
أما ما يفعله هؤلاء المستغربون من الدعوة بإلحاح، وعلى كافة المستويات، مع التلفيق والتلاعب بأقوال العلماء، فليس له إلا تفسير واحد، هو أنهم كرهوا ما أنزل الله فسحقا لهم ، وأولى لهم طاعة وقول معروف ، ولو صدقوا الله لكان خيراً لهم 0
يا صالحون ويا مصلحون، يا أهل الشرف والحياء و المروءة ، كونوا يقظين لما يطرحه الظالمون لأنفسهم وأمتهم من كتابات و حوارات، مؤداها إلى سفور المرأة واختلاطها بالرجال، فما دامت المدافعة بين المصلحين والمفسدين فإن الله عز وجل يقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق.
ينبغي أن لا ننسى في خضم الردود على ما يكتبه المفسدون من الشبهات والشهوات، ذلك السيل الهادر الذي يتدفق من وسائل الأعلام المسموعة و المرئية في بلاد المسلمين، وذلك بما تبثه من دعوات للمرأة إلى السفور، ومزاحمة الرجال في الأعمال و الطرقات، عبر القصة و المسلسل، والبرامج الحوارية والمقابلات، والبرامج الغنائية، ولقد ضربت هذه الوسائل بأطنابها في بلاد المسلمين، فكان لزاماً على كل غيور محاربتها وإبعادها عن بيته قدر الاستطاعة .
ربوا نساءكم وبناتكم على حب الحجاب والتعلق به منذ الصغر ومن وسائل ذلك تحصينهن الحصانة الفكرية والأخلاقية، بأن تعلم المرأة المسلمة أوضاع المرأة الغربية، والإسفاف النفسي الذي وصلت إليه، وتعتيم الغزو لأوضاعها، وأحياناً قلب مفاسدها وانحرافاتها إلى فضائل وتكريم0
إننا لا نريد المرأة المتحجبة تقليداً وعادة ، تشعر مع الحجاب بالضيق والحرج ، وتتخلى عنه لأدنى شبهة أو شهوة.
نريد المرأة المسلمة التي ترى في الحجاب عزاً وشرفاً، وترى في الحياء سلوكاً وخلقاً، نريد المرأة التي تتحجب استسلاماً لله ، ورضا بشريعته، وخضوعاً لحكمه وتتمثل قول الحق: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ) ) (الأحزاب:36) 0
لا نريد المرأة المتحجبة المتخلفة، فإن الدعوة إلى فريضة الحجاب والعودة إليه، لا بد أن تواكبها دعوة القائمين بأمر المرأة إلى أن يؤدوا لها فريضة تحرير عقلها من حجب التضليل والجهل، والتخلف، وتِلكم مسئوليتكم أيها الأولياء، فاتقوا الله وقوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة.
إننا نتطلع أيها المسلمون إلى أن تكون غيرتكم جبلاً تتحطم عليه كل نصال دعاة الضلال، وأن لا تكون غيرتكم جداراً من ورق، ينهار عند أدنى طمع دنيوي أو شهوة مادية .