فهرس الكتاب

الصفحة 24787 من 27364

14 -لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَسْتَفْتِيَ إلَّا مَنْ يَعْرِفُهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ , أَمَّا مَنْ عَرَفَهُ بِالْجَهْلِ فَلَا يَسْأَلُهُ اتِّفَاقًا , وَكَذَا لَا يَسْأَلُ مَنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , لِمَا يَرَاهُ مِنْ انْتِصَابِهِ لِلْفُتْيَا وَأَخْذِ النَّاسِ عَنْهُ بِمَشْهَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَمَا يَلْمَحُهُ فِيهِ مِنْ سِمَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالسَّتْرِ , أَوْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ ثِقَةٌ . قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى إلَّا مَنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ . أَمَّا مَجْهُولُ الْحَالِ فِي الْعِلْمِ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ إذْ قَدْ يَكُونُ أَجْهَلَ مِنْ السَّائِلِ . وَأَمَّا مَجْهُولُ الْحَالِ فِي الْعَدَالَةِ فَقَدْ قِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ عَنْهُ مِنْ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ كَذِبَهُ وَتَدْلِيسَهُ , وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ عَنْ الْعَدَالَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ . وَلَا يُقَلِّدُ مُتَسَاهِلًا فِي الْفُتْيَا , وَلَا مَنْ يَبْتَغِي الْحِيَلَ الْمُحَرَّمَةَ , وَلَا مَنْ يَذْهَبُ إلَى الْأَقْوَالِ الشَّاذَّةِ الَّتِي يُنْكِرُهَا الْجُمْهُورُ مِنْ الْعُلَمَاءِ .

مَنْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ:

15 -تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ هُوَ الْعَامِّيُّ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ الْقَادِرِينَ عَلَى الِاجْتِهَادِ . وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ إذَا اسْتَشْعَرَ الْفَوَاتَ لَوْ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ , فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا . فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ لَوْ أَرَادَ التَّقْلِيدَ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَإِمْكَانِ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ . وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ . وَدَلِيلُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يُضَاهِي النَّصَّ , فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ إمْكَانِهِ , كَمَا لَا يَعْدِلُ عَنْ النَّصِّ إلَى الْقِيَاسِ . أَمَّا إنْ اجْتَهَدَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلِاجْتِهَادِ , فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَصِيرَ إلَى الْعَمَلِ أَوْ الْإِفْتَاءِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ تَقْلِيدًا لِمَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ , قَالَ صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ:"إجْمَاعًا"أَيْ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ , لِأَنَّ مَا عَلِمَهُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ فَلَا يَتْرُكُهُ لِقَوْلِ أَحَدٍ . وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ نَفَذَ حُكْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةٍ , وَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى , وَلَا عَلَى قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا , وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ يَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ أَنْ يُقَلِّدَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ , فَيَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي الْبَعْضِ مُقَلِّدًا فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ , وَلَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ مَا دَامَ عَالِمًا فَلَا يُقَلِّدُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الصِّحَّةِ , بِأَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ الْمُجْتَهِدُ الْآخَرُ . وَأَيْضًا قَدْ يُقَلِّدُ الْعَالِمَ فِي الثُّبُوتِ , كَمَنْ قَلَّدَ الْبُخَارِيَّ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ , ثُمَّ يَجْتَهِدُ فِي الدَّلَالَةِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ دَفْعِ التَّعَارُضِ بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ .

تَعَدُّدُ الْمُفْتِينَ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى الْمُقَلِّدِ:

تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت