فهرس الكتاب
فهو واجب لله نؤديه:واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , والتخويف من انتهاك الحرمات , لنبلغإلى الله عذرنا , ويعلم أن قد أدينا واجبنا . ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى .
وهكذا انقسم سكان الحاضرة إلى ثلاث فرق . . أو ثلاث أمم . . فالأمة في التعريف الإسلامي هي مجموعة الناس التي تدين بعقيدة واحدة وتصور واحد وتدين لقيادة واحدة , وليست كما هي في المفهوم الجاهلي القديم أو الحديث , مجموعة الناس التي تسكن في إقليم واحد من الأرض وتحكمها دولة واحدة ! فهذا مفهوم لا يعرفه الإسلام , إنما هي من مصطلحات الجاهلية القديمة أو الحديثة !
وقد انقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاث أمم:أمة عاصية محتالة . وأمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة . وأمة تدع المنكر وأهله , وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي . . وهي طرائق متعددة من التصور والحركة , تجعل الفرق الثلاث أمماً ثلاثاً !
فلما لم يجد النصح , ولم تنفع العظة , وسدر السادرون في غيهم , حقت كلمة الله , وتحققت نذره . فإذا الذين كانوا ينهون عن السوء في نجوة من السوء . وإذا الأمة العاصية يحل بها العذاب الشديد الذي سيأتي بيانه . فأما الفرقة الثالثة - أوالأمة الثالثة - فقد سكت النص عنها . . ربما تهوينا لشأنها - وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب - إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي , ووقفت عند حدود الإنكار السلبي . فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب:
فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء , وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون . فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم:كونوا قردة خاسئين . .
لقد كان العذاب البئيس - أي الشديد - الذي حل بالعصاة المحتالين , جزاء إمعانهم في المعصية - التي يعتبرها النص هي الكفر , الذي يعبر عنه بالظلم مرة وبالفسق مرة كما هو الغالب في التعبير القرآني عن الكفر والشرك بالظلم والفسق ; وهو تعبير يختلف عن المصطلح الفقهي المتأخر عن هذه الألفاظ إذ أن مدلولها القرآني ليس هو المدلول الذي جعل يشيع في التعبير الفقهي المتأخر - كان ذلك العذاب البئيس هو المسخ عن الصورة الآدمية إلى الصورة القردية ! لقد تنازلوا هم عن آدميتهم , حين تنازلوا عن أخص خصائصها - وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة - وانتكسوا إلى عالم"الحيوان"حين تخلوا عن خصائص"الإنسان". فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان !
التحذر من الإبتداع في الدين
ففي سنن الدارمي عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: اتَّبِعُوا وَلاَ تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ.
وفي الأم للشافعي:
الْمُسْتَأْمَنُ يُسْلِمُ وَيَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ اسْتَوْدَعَ مَالَهُ