فهرس الكتاب

الصفحة 24940 من 27364

والمعلوم أن طريقة القرآن ـ في الغالب ـ هي أن نفي النقائص عن الله يكون مجملاً، وإثبات الكمال لله يكون مفصلاً، بخلاف طريقة أهل البدع التي تقوم على النفي المفصل والإثبات المجمل، وأيضاً: إن هذا النفي المفصل ـ والذي يسميه الأحباش تنزيهاً ـ يعتبر ذمّاً وليس مدحاً؛ فلو قلت لرجل: أنت لست سارقاً ولا زانياً ولا كلباً ولا قذراً.. إلخ.. ألا يغضب هذا الرجل، ويعتبر هذا التنزيه عن هذه النقائص ذمّاً؟، فكيف بمقام رب العالمين، (سبحانه وتعالى عما يقولون علوّاً كبيراً) .

وقد أورد الله (تعالى) في كتابه العظيم هذا النفي مجملاً، فقال: (( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياً ) ) [مريم: 65] ، وقال: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ) [الشورى: 11] ، وقال: (( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ )) [الإخلاص: 3، 4] .

ولكن أنّى لهم أن يفقهوا العقيدة الصحيحة في الله (تعالى) ، وفاقد الشيء لا يعطيه.

2-توحيد الله (جل وعلا) :

التوحيد عند الأحباش هو توحيد الربوبية فقط، وهو توحيد الله بأفعاله، كالاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق.. وقد تأثروا في ذلك بالفلاسفة والمتكلمين، وهذا التوحيد آمن به حتى مشركو قريش، يقول (تعالى) : (( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ) [العنكبوت: 61] ويقول: (( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ) [العنكبوت: 63] ، ولكن هذا التوحيد لم يكتمل لديهم، ولو اكتمل لم ينفعهم؛ لأنه يلزم معه توحيد الألوهية، وهو توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، والاستعاذة..

والأحباش هم أعظم الناس نقضاً لتوحيد الألوهية؛ حيث أباحوا الشرك الأكبر، كدعاء الأولياء، والأموات، والاستغاثة بهم.. وفي هذا يقول شيخهم: (الاستغاثة بغير الله والاستعانة لا تعتبر شركاً، كما زعم بعض الناس، فلو قال قائل: يا رسول الله.. المدد!، فهو صار كافراً عندهم؟) (5) ويقول: (إني لأعجب من هؤلاء الذين يكفرون المسلمين لمجرد التمسح بقبر وليّ أو قولهم: يا رسول الله المدد) (6) ، وقال شيخهم عن حكم من يستغيث بالأموات ويدعوهم، كأن يقول: يا سيد يا بدوي أغثني، يا سيدي دسوقي المدد.. فقال: (يجوز ذلك، فإنه يجوز أغثني يا بدوي، ساعدني يا بدوي) فقيل له: إن الأرواح تكون في برزخ معين، فكيف يستغاث بهم وهم بعيدون؟ فأجاب بقوله: (الله(تعالى) يكرمهم بأن يسمعهم كلاماً بعيداً وهم في قبورهم، فيدعون لهذا الإنسان وينقذه، وأحياناً: يخرجون من قبورهم فيقضون حوائج المستغيثين بهم، ثم يعودون إلى قبورهم) (7) .

وهذا ـ والله ـ من أعظم الشرك والعياذ بالله، وكأنهم لا يقرؤون قول الله (تعالى) : (( وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) ) [الجن: 18] ، وقوله (تعالى) : (( إن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) )

[ فاطر: 14] ، وقوله عن رسول الله: (( إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى ) ) [النمل: 80] ، وقوله (تعالى) على لسان رسوله: (( قُلْ إنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَراً وَلا رَشَداً ) ) [الجن: 21] ، (( قُل لاَّ أََمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَراً إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ) [الأعراف: 188] .

ثم: ألا يعلم هؤلاء أنهم بهذا الدعاء يعبدون موتاهم؟!، كما أخبر (عليه الصلاة والسلام) بقوله: (الدعاء هو العبادة) (8) ، وقوله: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) (9) .

3-رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته:

عقيدة الأحباش في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقيدة غريبة عجيبة، فهم غلاة في مواطن، وجفاة في مواطن أخرى؛ حيث يستغيثون به، ويطلبون منه المدد والعون، ويجعلون ذلك من القربات ومن دواعي محبته، بل من لوازمها أحياناً، فهم مخالفون معاندون لأمره وهديه - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله) (10) ، وعندما قال أحد أصحابه: ما شاء الله وشئت، قال: (جعلتني لله عدلاً، ما شاء الله وحده) (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت