و إذا كان بإمكاننا تفهّم أن الأحباش أشاعرة شافعية متعصبون لديهم عدّة آراء غريبة في الدين ، فالذي بحاجة إلى التفسير قدرتهم على إقامة علاقات قوية مع حكومات مختلفة ، وعدائهم الشديد لكل الحركات الإسلامية ، وفوق ذلك تمتعهم بتسهيلات وحماية كبيرة من الأجهزة الرسمية الأردنية ، فيتبرع لهم بعض المسؤولين ، وتقام حفلاتهم في أفخم قاعات المملكة ، وتتدخل الأجهزة الرسمية لمنع أي نشاط فكري يعارضهم - كما حدث عندما ألغيت محاضرة في جمعية الكتاب والسنة في نقد مواقفهم الفكرية بضغط من الأجهزة الرسمية - ، أو تفتيش دار نشر قبل أشهر ومصادرة كتاب ضدهم ، وغير هذه وتلك من القصص !!
والسؤال الصريح والواضح: ما سر هذا النفوذ السياسي للأحباش في الأردن ؟
يمكن القول: إنّ هناك عدة تفسيرات رئيسة تقدم في ذلك:
1-أنّهم استطاعوا إقامة شبكة علاقات اجتماعية قوية مع بعض المتنفذين داخل أجهزة الدولة ، وعرضوا أنفسهم على أنهم مع الحكومة ضد الحركات الإسلامية ، مما أدى إلى تبني عدد من المسؤولين والمتنفذين فكر الأحباش ، وهنا يشير أصحاب هذا التفسير أن الأحباش كانوا وراء فصل أساتذة الشريعة من بعض الجامعات الأردنية بالتعاون مع أحد المتنفذين و شيخ أشعري متشيع .
2-أنهم"صنيعة"بعض الدول العربية لضرب الحركات الإسلامية الأخرى ، وأنّ الأجهزة الرسمية تدعمهم وتسهل الأمور ليزداد عدد الأعضاء والمؤيدين لهم ، وبالتالي يتسع التناقض الديني في المجتمع وتدخل الحركات والجماعات في حالة صدام ، ويكون ذلك أداة مناسبة لمحاصرة المد الإسلامي ، و إشغال الشباب المسلم في صراعات جانبية على قضايا جانبية بعيدًا عن نقد سياسة الحكومات . ويضيف دعاة هذا الرأي أنّه كما نجحت بعض الحكومات العربية في"اللعب على التناقضات الاجتماعية"، فإنّها تسعى لممارسة نفس اللعبة في مواجهة المد الإسلامي ولكن باللعب هذه المرّة على التناقضات الدينية .
3-أن المد الإسلامي أصبح اليوم يثير عددًا من الأسئلة حول الشرعية الدينية للحكومات العربية ، وأنّه على مر التاريخ لابد من التحالف الديني والسياسي لضمان استقرار الحكم ، وبالتالي يسعى بعض المسؤولين و المتنفذين إلى بناء أيدلوجيا أشعرية صوفية للدولة الأردنية - في مواجهة المد السلفي ، و تحمل بعدًا شيعيًا مؤيدة للحكم الهاشمي في الأردن ضد الفكر الشيعي الثوري المتمثل في حزب الله وإيران ، وتكون جماعة الأحباش الأساس الحركي لهذه الأيدلوجيا المؤيدة للحكومة في مواجهة الحركات الإسلامية المعارضة .
وأمام هذا التفسير يجيب أصحابه عن سؤال: إذا كان هذا هو هدف الدولة ، فما هو هدف الأحباش ؟
بأنّ الأحباش قد تعلّموا من تاريخ الدعوات الإسلامية أنّ هذه الدعوات لا تنتشر إلاّ بتحالف مع قوة سياسية تحمي الدعوة وتتبنّاها و تفرضها فتنتشر ، وعلى المدى البعيد تستقل عن السلطة وتصبح لها شرعيتها الذاتية من خلال أتباعها ونفوذها لدى عامة الناس .
و أمام التفسيرات الثلاثة السابقة ، تبقى قضية نفوذ الأحباش السياسي في الأردن تتأرجح بين أن يكونوا"حصان طروادة"أو"أذكياء جدًا"يعرفون من أين"تؤكل الكتف"! .