هذه المرحلة كانت مقدمة ضرورية للنصارى، وفرصة مناسبة للتفكير الجدي في السيطرة على الأرض التي شهدت قصة المسيح عليه السلام، بحيث بدأت الكنيسة في الدعاية ضد المسلمين، ونعتهم بالكفار المتوحشين ، وبالموازاة تعبئة النصارى للقيام بالحملة الصليبية لتخليص الأرض المقدسة، والتي توجت بالخطبة التاريخية التي ألقاها البابا أربان الثاني في 27/11/1095 في جنوب فرنسا (كليرمون) ، والتي دعا فيها إلى القيام بحملة ضد المسلمين في فلسطين تحت راية الصليب.
هذه الخطبة كانت نتيجة للمجمع الديني الذي عقده البابا مع جمع من الأساقفة أثناء مناقشتهم لأحوال الكنيسة، كما قامت على إثرها عدة مستوطنات صليبية في فلسطين وبلاد الشام ما بين 1096 و1291 م، لكن استعمال اصطلاح"الحملة الصليبية"لم يحدث سوى في بداية القرن 13 م، لأنها في البداية كانت توصف ب"الرحلة إلى الأرض المقدسة"أو"الحرب المقدسة"...، وبعدها صار توسيع الحملات الصليبية ضد المسلمين في فلسطين والأندلس وعلى شواطئ البلطيق...، كما استعملت البابوية فكرة"الحرب العادلة"في القتال ضد مسلمي الأندلس، أما المؤرخون المسلمون (ابن الأثير، ابن كثير...) فكانوا يسمونها ب"حروب الفرنجة"أو"الإفرنج".
بعد نجاح الحملة الصليبية الأولى في إقامة مملكة بيت المقدس وعدة إمارات أخرى في البلاد العربية، أصبح همهم الأساس هو نشر قوات عسكرية ضخمة للدفاع عنها، ونشر المسيحية بين شعوب المنطقة.
ولما استرجع الإمام صلاح الدين الأيوبي مدينة بيت المقدس سنة 1187 م/583 هـ، ركز الصليبيون جهدهم في الدفاع عن ما تبقى من كيانهم في فلسطين، بحيث حاولوا غزو مصر في الحملة الخامسة (1218 م) ، وكذلك في الحملة السابعة (1249 م) التي قادها لويس التاسع.
ولقد استمرت الحملات الصليبية قرنين من الزمان (489 - 610 هـ) ، أي مند حملة البابا إلى سقوط عكا ونهاية - فيما بعد - الوجود الصليبي في فلسطين.
بعد ذلك، حاول البابا"نيقولا الرابع"تعبئة النصارى وتذكيرهم بسقوط مماليك الصليب (عكا، بيت المقدس...) في الشرق الإسلامي، لكن دون جدوى نظرا لعدم قدرتهم/ الإرهاق، والخسائر الفادحة التي تكبدوها خلال قرنين.
ثالثا - أوضاع المسلمين قبل الحروب الصليبية:
يمكن تلخيصها في الخطوط العامة التالية:
-الانقسام والتشرذم وهيمنة المصالح الشخصية الضيقة دفعت الحكام إلى تحويل كل مقدرات الأمة (البشرية والمادية) إلى عقار/حساب خاص.
-تخاذل الحكام وأنانيتهم وضيق أفقهم الذي ضيع البلاد وأذل العباد.
-ابتعاد العلماء الصادقين عن السياسة شجع الحكام على تدبير أمور الأمة وفق أهوائهم وغرائزهم، بعيدا عن همومها وقضاياها.
-ضعف الدولة العباسية"السنية"دفع بالعبيديين/الفاطميين"الشيعة"إلى الانقضاض على شمال إفريقيا، وتكوين الدولة الفاطمية، وتقتيل علماء أهل السنة، والاستعانة باليهود والصليبيين ضد المسلمين، ومحاولة إبرام اتفاق/التحالف مع العدو الصليبي على اقتسام الأرض والنفوذ على حساب الأتراك"السنة"، لكن فشلوا بسبب رفض العدو ، بل وصلت بهم الوقاحة/الخيانة إلى حد أن الأسر الحاكمة في شمال بلاد الشام كانت تتفرج علىالتقتيل الذي يتعرض له المسلمون"الأتراك"معبرين عن الفرح بهزيمتهم، فضلا عن تركهم لسقوط أنطاكية ولم يتدخلوا لإنقاذها.
-تعدد الكيانات السياسية الصغيرة وغياب الوحدة، بحيث كانت كل مدينة كبيرة في بلاد الشام مثلا تمثل إمارة مستقلة تحت حاكم.
-عجز الحكام وضعفهم بسبب الحروب التي خاضوها فيما بينهم على مدى قرن كامل.
-شيوع الشك والريبة وانعدام الثقة فيما بين الحكام.
رابعا - العوامل الرئيسية التي ساهمت في تحرير القدس/ الأمة:
ترجع هزيمة العدو الصليبي بعد توفيق الله سبحانه وتعالى إلى الأسباب التالية:
-إحساس الرأي العام/الأمة بخطورة الهجوم الصليبي بسبب همجيته، والتدمير والتقتيل والتشريد والقهر والإذلال الذي تعرضوا له.
-قيام العلماء بدورهم في التحريض والتعبئة، وتذكير الأمة بمكانة القدس الشريف"أولى القبلتين وثالث الحرمين"الدينية، وفضل الجهاد والشهادة، وتوعيتهم بحقيقة العدو وطبيعة أهدافه التوسعية.
-بدأ المجاهدون التحرك الجاد من أجل توحيد الجهود ضد العدو الصليبي، أي كان شعار المرحلة"فلنترك خلافاتنا جانبا ولنتحد جميعا حول جهاد عدونا المشترك/الصليبي، فكان بديلا عمليا/المجاهدين للجيش الإسلامي، حيث لم ينهجوا سياسة التوسل اتجاه حكامهم."
-ظهور عماد الدين زنكي كقائد عام للحركة الجهادية ضد الصليبيين، وخضوع الموصل سنة 521 هـ/1127 م، وأيضا البديل الصحيح لعجز الحكام وضعفهم، وفشلهم السياسي والعسكري، بسبب جديته وجهاده، لأن الرجل وضع كل إمكانياته في خدمة الهدف الإسلامي المرحلي المتمثل في جهاد الصليبيين.
-بعده، برز الإمام صلاح الدين الأيوبي الذي واصل الطريق/ المسيرة الجهادية، وقام بمجموعة من الخطوات كانت أهمها إزالة دولة الفاطميين، وتوحيد السلطة والقرار في مصر.