فهرس الكتاب
لم تعد أهداف هذا التحالف الصليبي اليهودي مجرد أهداف اقتصادية أو سياسية فحسب، هذا على الأقل ما كان يبدو لنا في العقود السابقة، وفيما عُرف بمرحلة الاحتلال لبلداننا الإسلامية، بل تعدّتها إلى أهداف أخرى خفية، بدأت تنجلي خلال هذه الحرب الأخيرة، موافقة لقول الله عز وجل {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة: 217) ، وقوله سبحانه {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} (النساء: 89) . وأكبر دليل على هذا هو مبادرتهم العاجلة وحرصهم المستميت على ضرب الإمارة الإسلامية وإبادة معالمها وأسسها وعزلها عن أنصارها، بالرغم من أن هذه الإمارة لم تبد أي نية في مهاجمتهم أو بدئهم بالحرب، وكانت جل أطوار هذه الحرب هجومية {ألا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (التوبة: 13) .
فكما هو معلوم أن كل بلداننا محتلة - من إخمصها إلى قدميها - من قبل التحالف الصليبي اليهودي، وكل الأهداف المادية التي كانوا يحلمون بها قد نالوها وزيادة، ولكن لن يشبعوا ولن يوقفوا حملتهم الشرسة هذه إلا بتحقيق أكبر وأخبث الأهداف على الإطلاق {حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة 217) .
ومن أجل تحقيق ذلك جندوا جيوشاً جرارة من العسكر والقساوسة والمثقفين، وأرسلوهم إلى بلداننا لتنخر فيها كما ينخر السوس في الخشب، تحت غطاءات ناعمة وخادعة، وكل هذا من أجل إخراج العباد من عبادة الله وحده إلى عبادة أوثانهم ومذاهبهم وأهوائهم.
5 -طويلة في أجلها
هي حرب طويلة في أجلها ومدتها {وَلاَ يَزَالوُنَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ، وقد تعلمنا من تاريخ الصراع الدائر بيننا وبينهم أن أعداءنا لا يفترون عن قتالنا ومحاربة إطفاء نور الله في الأرض {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف: 8) ، خاصة وأن طبيعة المعركة هي معركة وجود بين الحق والباطل، إذ لا يمكن أن يتعايشا جنباً إلى جنب.
كما أن لهذه الحرب حلقات متعددة، قد تهدأ لبعض الوقت لكنها لا تنقضي حتى يتم القضاء على الطرف المقابل بصفة نهائية. وبين هذه الحلقات فترات ترصُّد وإعداد لا تقل أهمية وحماسة من فترة الحرب نفسها. والعدو شأنه شأن إبليس، لا يفتر ولا يمل ولا ييئس في حربه لأصحاب الحق، وهو لا يخفي هذه النية ويعلنها صراحة ودون تلميح بأن الحرب ستكون طويلة الأمد حتى يتم القضاء نهائياً على الإرهاب وجذوره وروافده.
ونحن نعتقد أنه لن يغير من هذه الاستراتيجية قيد أنملة، حيث يحس بالخطر يداهمه من كل جانب وفي كل لحظة، ويعمل بالقاعدة المعروفة:"خير وسيلة للدفاع الهجوم"، ولكننا على يقين بأنه لن يستطيع فتح جبهات عديدة في نفس الوقت، ولن تكون لديه القدرة على تحمل تبعات هذه الحرب أطول مما يخطط ويحاول أن يوحي لنا.
ستكون حرباً طويلة الأمد على جميع الجبهات، ولا ينبغي التفكير في عكس هذا، حتى لا نتقاعس، بل يجب أن نعد للأمر عدته ونكون في مستوى الصراع، ولا ننخدع بشعارات العدو الزائفة، من قبيل التعايش أو ما يسمونه بحوار أو التقاء الحضارات.
6 -حرب كاشفة وفاضحة
قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الحرب شر مطلق لا خير فيها، وبأنها أضرار ولا نفع فيها، لكن الحقيقة غير ذلك، فكل أمر لابد أن تجد فيه الخير والشر {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216) ، ومن أجل هذا فنحن مطالبون بالوقوف طويلاً وبكل تأنِّ ورويِّة أمام تأثيرات هذه الحرب، لنعرف كيف نحوِّل سلبياتها إلى إيجابيات ونتمكن بالتالي من كسب معاركها المتعددة بأقل الخسائر الممكنة وفي أقرب الآجال.
أولاً: أظهرت حقيقة العدو للأمة بعامة، وللعوام بخاصة، حيث كنا نرى نوعاً من التخدير لدى الكثير من أبناء الأمة اتجاه الصورة الحقيقية للعدو. سواء على مستوى الأخلاق والتعامل، حيث أنه كان قدوة للبعض في العديد من المجالات، وموضع احترام للبعض الآخر، ذلك أنه في السنوات الماضية، كان هناك نوع من التخفي والمداراة لدى العدو في حربه لنا، أما اليوم فقد كُشفت أوراقه وظهرت نواياه جلية لكل ذي عينين.