فهرس الكتاب
فقد غدت العاصمة العباسية بغداد معملاً يزود العالم بآخر منجزات العصر على المستوى التربوي والعلمي وقف إلى جانبها عدد آخر من المؤسسات التعليمية التي تميزت بصفتها العلمية المنهجية , والتي تعد بحق جامعات أو أكاديميات في العصور الماضية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: جامع الأزهر في القاهرة , وجامع الزيتونة في تونس , والمسجد الأقصى في القدس, المدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله عام 1227م وبدأ التدريس فيها عام 1233, و بيت الحكمة في بغداد ,.ودار الحكمة في القاهرة أنشأها الحاكم بأمر الله الفاطمي سنة 975مالخ ثم بدأت بعدها مرحلة جديدة من مراحل الانحدار والتخلف عاشتها البلاد العربية لمدة أربعة قرون من الزمن ركدت فيها الحضارة الإسلامية وجمدت لعدم قدرة الدولة العثمانية على تغذيتها بالتشجيع المعنوي والمادي وإغلاق الشرايين التي كانت تصل بينها وبين الثقافات الأخرى ؛ فاقتصر دور المدرسين على التلقين والتقليد وزيادة عدد الكتاتيب زيادة كمية على حساب نوعية التعليم.
أما بعد ...
فإذا كانت الحملة الفرنسية عام 1798م قد عرّفت المصرين بآلة الطباعة وبالمدارس الأوربية حديثة الطراز إضافة إلى المناهج التعليمية العلمية الحديثة، فقد ترتب على ذلك أيضا تشديد قبضة الاحتلال على واقع التعليم والنظام التعليمي بما يخدم مصالحه السياسية والاقتصادية وممارسة أهدافه الاستعمارية.
مع نهاية القرن السابع عشر وهزيمة الدولة العثمانية عسكريا أمام الجيوش النصرانية الغربية , بدأت السفارات إلى الغرب , وبدأ استقدام متخصصين في العلوم البحتة , ولأول مرة جرى استقدام غير مسلمين للتخطيط والتدريس في المدارس الإسلامية . ثم عمل الأعداء على شطر نظم التعليم إلى شقين: التعليم الديني والتعليم المدني مع احتواء الأخير على بعض المناهج الشرعية , التي عملوا بعد ذلك على إضعافها من خلال عدة طرق منها:ـ طريقة وضع المنهج , وطريقة تدريسه , وموقع الحصص في اليوم الدراسي , والحط من مدرسيه , وتخفيض عدد ساعات هذه المناهج .. ثم عمدوا بعد ذلك إلى تعديل في هذه المناهج وفق الرؤى العولمية والاتجاهات العلمانية .
إن فكرة العلاقة بين الهيمنة والتعليم في الغرب أساسية ؛ لذا فهم يحاولون الهيمنة والسيطرة والإخضاع عبر التعليم , عبر تغيير مناهج التعليم الديني في مصر والسعودية وباكستان واليمن ,وعبر القضاء على المدارس الدينية والمعاهد والجمعيات الخيرية التي تدعمها , ويغري أمريكا بهذا صداقتها لهذه البلدان .
لقد أصبح واضحا أن قضية المناهج التعليمية لم تعد شأنا داخليا ترتبه الحكومات متى وكيف شاءت , وتهمله أو تؤجله متى وكيف شاءت ؛ وإنما أصبحت شأنا عالميا في ظل ثقافة العولمة وبفعل أدواتها , وأصبح في منطقتنا العربية له أبعاد ثقافية واقتصادية وسياسة بل وعسكرية إذا لزم الأمر .
إن قضية تغيير المناهج التعليمية في المنطقة الإسلامية لم تفتر منذ معاهدة كامب ديفيد , ومرورا باتفاقيات مدريد وما تلاها , إلا أنها ازدادت جرأة ووضوحا وصراحة بعد أحداث 11 سبتمبر اذ شنت الدوائر الرسمية ووسائل الإعلام في الغرب حربا ضروسا على مناهج التعليم في العالم الإسلامي متهمة إياها بأنها المسئول الأول عن ظاهرة تفريخ الإرهاب , وقد وضعوا الخطط للتدخل في التعليم في عدة بلدان وتعد مصر وباكستان والسعودية واليمن نماذج على ذلك , حيث قدمت الولايات المتحدة الأمريكية دعما لباكستان مقداره 100مليون دولار لبناء بنك معلومات عن طلاب المدارس القرآنية يهدف لتأمين معلومات أساسية عن كل طالب ومدرس في هذه المدارس .
ترتبط المناهج بهوية الأمة , وتشكل عاملا مهما في إعدادها وتربيتها , ومن ثم فالتعامل معها لا يخضع لتصريحات طائشة ومواقف مندفعة , وإنما تحتاج إلى أن يتعامل معها في ظل أوضاع هادئة بعيدا عن التشنج والانفعال وبعيدا عن الاستجابة لردود الأفعال .
ورغم أن أمريكا تمارس التدخل في خصوصيات الشعوب الأخرى إلا أنها لا ترضى ذلك لنفسها وهي القائلة قبل عشرين عاما على لسان الرئيس الأمريكي رونالد ريجان:""لو أن هذه المناهج التي بين أيدينا فرضتها علينا أمة من الأمم لاعتبرنا ذلك اعتداءً سافراً علينا"" (( إن الدهشة سوف تلجمنا إذا علمنا أن مؤسسة تسمى(كير) تتبع المخابرات المركزية الأمريكية هي التي تقوم بالتخطيط للمناهج في وزارة التربية والتعليم المصرية ، والدهشة سوف تمسك بتلابيبنا إذا علمنا أن وفد F.B.I قد التقى شيخ الأزهر , ووفود الكونجرس تلتقيه للاطمئنان على مناهج الأزهر )) [1] .