يا أيها الشهر الذي زارنا: تحل علينا هذا العام وقد حصحص الحق واتضحت الحقائق وانكشف المغطى ، وبرزت فيه نتائج الحرب الصليبية التي يسمونها الحرب ضد الإرهاب ، لقد تبين أخيراً أن الإرهاب الذي يُحَارب هو إعفاء اللحى وارتداء الحجاب والترفع عن الغناء والموسيقى ، وأن الإرهاب هو التوحيد الخالص وهدم المظاهر الشرعية 0
لقد نجحت الحملة الصليبية لمكافحة الإرهاب فحلق الناس لحاهم ، وتسابقت النساء لنزع الحجاب ، وفُتحت المزارات والأضرحة لزوارها ، وصدحت في وسائل الإعلام أصوات الموسيقى والغناء ، وصدق الله (( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) ) ( البقرة: 217 ) .
آلا ليت الحالقين للحى ، ويا ليت المتبرجات من النساء ، ويا ليت السامعين للغناء ، يا ليت هؤلاء يدركون أنهم بأفعالهم تلك يحققون أهداف الحملة الصليبية على الإسلام من حيث لا يشعرون ، ويا أيها الرجال المتجملون باللحى ، ويا أيتها النساء المحتشمات ، ويا أهل الصلاح والاستقامة هنيئاً لكم وصف الإرهاب بمفهومه الغربي الكفري ، هنيئاً لكم عداوة الكفار لكم وعداوتكم للكفار .
أيها الشهر المعظم: حللت علينا واليهود والنصارى عبر وسائل إعلامهم الفاسدة المفسدة تشن حرباً إعلامية جائرة على بلادنا واصفة إياها بتبني الإرهاب والإفساد ، ولعمر الله إنها تعلم أن بلادنا لم تتعد على أحد ولا ترضى أن يعتدى على أحد ، لكنهم يعنون بالإرهاب أننا دولة تحكم بالإسلام وتقيم شعائره وتعلم مبادئه وتنشر تعاليمه في العالم عبر المراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية ، وهذا يؤكد الحقيقة القرآنية (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ) (البقرة:120) .
وإذا كان هذا إرهاباً فليشهد العالم أننا إرهابيون وأننا متطرفون وأننا مستعدون لتحمل تبعات هذا الإرهاب وتكاليفه 0
يا أيها الشهر الكريم: لقد استعدت لك الأمة وتهيأت لاستقبالك ، فالإعلانات التجارية والزحام في الأسواق ينبئك عن حال فئة من الناس لا ترى فيك إلا موسماً لملء البطون والتنافس في كثرة الصحون ، ووسائل الإعلام جعلت منك موسماً للهو والترفيه غير البريء عبر الفوازير والمسلسلات الساقطة مما طاش به عقل الحليم وما طاش إلا لما فيه من السفه والسقوط الوخيم 0
أما النساء فيرين فيك فرصةً للهروب إلى الأسواق والتجول فيها إلى قرب السحر حيث يوءد الحياء ، وتقتل المروءة والشهامة ، وحيث ينصب الشيطان رايته ، والشباب قد تهيؤا لك بتجهيز الاستراحات وتهيئة الملاعب 0
هؤلاء هم الناس الذين يستقبلونك فعذراً أيها الشهر المبارك 0
يا ضيفنا يا شهر الله المعظم: حينما تحل علينا يفد إلى المساجد أناس تعرف منهم وتنكر ما هم بجنٍ ولا ملائكة ، كل ما نعرفه عنهم أنهم مسلمون ، ويسمعون نداء الله يجلجل في بيوتهم طوال العام لكنهم لا يعرفون طريقاً إلى بيت الله إلا حينما تحل علينا ، وحتى حينما تحل علينا فهم يكثرون عند المغرب والفجر ، وينامون عن الصلاة في الظهر والعصر ، فبئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان 0
يا شهرنا المعظم: هذه بعض حالنا ، وهذا خبر ما عندنا ، وهذا هو عذرنا حينما استقبلناك بالفتور وضعف العزيمة ، فيا ترى ما خبر ما عندكم ؟ 0
قال الضيف العزيز: أما خبر ما عندنا فسوف أنبئك به بعد أن تستريح وتُريح قليلاً ، وبعد أن تستغفروا ربكم كثيراً ، فأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الودود .
الخطبة الثانية
أما بعد:
فبعد أن قال وافد المسلمين قوله ووصف حالهم وحاله أجاب الزائر الكريم شهرُ رمضان المعظم بلسان الحال فقال: قد استمعت يا وافد المسلمين إلى مقالك وتألمت لحالك ، وآلمني أن تكونوا آيسين قنطين ، ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون .
لِمَ اليأس ووعد الله لن يخلف ، وكلمته لا تتبدل ، وسنته في الأمم لا تتغير (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (الروم:47) .
إن أوذيتم في دينكم وعقيدتكم فعسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون 0
وإن تسلط المنافقون فأظهروا كيدهم ومكرهم وتبين مسارعتُهم خلف العدو فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين .
ثم إنه لا تصيب الأمة مصيبة إلا بما كسبت أيديهم ، وكيد المنافقين لا يواجه بالتشاكي ولا بالتباكي ، وإنما الحل بأيديكم أنتم أيها المسلمون .
إن كيد المنافقين يُواجه باستنكاره، والرفع إلى من بيده أمر الأمة فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .
كيد المنافقين يُواجه بزرع بذور الإيمان في الأسرة ، وتربية النساء والناشئة على رفض كل ما يخدش بالحياء أو يجرح الكرامة أو يخالف أمراً شرعياً ، وتربيتهم على الاعتزاز بالدين والحشمة والحياء .
كيد المنافقين يُواجه بتكثيف الدعوة والإصلاح في الناس ، وبث الخير، وإيصال كلمة الحق إلى كل بيتٍ وكل فردٍ في المجتمع 0