ومن قبل كانت بالطبع 'زلاته' المعتادة عن 'الحرب الصليبية الجديدة' التي بشر بها من قبل الرئيس الأمريكي أيضا رونالد ريجان، وجورج بوش الأب.
وفي إيطاليا، حيث معقل الكاثوليكية ومقر البابوية، أطلق رئيس مجلس الشيوخ 'مارتشيللو بيرا' منذ أشهر قطارا أطلق عليه 'قطار الغرب السريع' تحت ذريعة الحفاظ على الهوية الغربية المسيحية التي يعتبرها مهددة من طرف الإسلام.
وحمل القطار الذي انطلق من العاصمة روما قافلة ضمت أكثر من 500 سياسي، فيما كُتب على بعض عربات القطار عبارة 'أصول مسيحية'.
وقال مارتشيللو عقب وصول القطار إلى بولونيا 'إن الإسلام يصبح خطرا على ثقافتنا في حال افتقادنا لهويتنا، [...] ، لمواجهة هذا الخطر على الغرب وأوروبا عدم الخضوع لفكرة مجتمع متعدد الجنسيات'.
واختتم حديثه أمام أكثر من 3 آلاف متظاهر، قائلاً: 'سننطلق بقطارنا إلى باريس، مدريد، إسطنبول، وسنتعدى بقافلتنا حتى نصل إلى المحيط الأطلسي.
الحرب الصليبية الجديدة
تلك التصريحات التي أدلى بها البابا أدلجت بصورة تكاد تكون نهائية الصراع ما بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي.. ونصبت من بابا الفاتيكان قائدا منظرا ومشرعا للحروب الصليبية التي تشنها الولايات المتحدة و' وتحالف الراغبين الدائمين'.
فصدورها من أعلى سلطة كنسية كاثوليكية واستشهاده بمقولات وحوارات تاريخية لا يدع مجالا لتأويلات خادعة من طبيعة تلك المخادعات التي روجت لتبرير تصريحات بوش، من كونها زلة لسان سياسي.. أو تلك المتعلقة بالإساءة التي صدرت من عدة صحف أوروبية قبل أشهر وانتهكت حرمة النبي الكريممحمد صلى الله عليه وسلم ، وهو ما عرف في حينه بقضية الرسوم المسيئة، بدعوي حرية الرأي والتعبير.
الأخطر في تلك التصريحات إذن ليس مضمونها الفارغ، وكشفها لحقد دفين وجهل فاضح عند القيادات الكنسية، ولكن في كونها أعطت مبررا كنسيا لتلك الحروب التي يشنها الغرب ضد العالم الإسلامي، إذ أن القضاء على 'الشر' الذي جاء به نبي الإسلام ـ كما تفوه بينيدكت ـ سيكون حتميا كي يعيش الغرب المسيحي في أمن وسلام من هذا الدين الذي امتطى سطوة السيف ليروض به الناس ويرغمهم على اعتناقه!!
الحادث إذن أننا أمام راع بقر أمريكي مصاب بلوثة الصهيومسيحية، دفعته دفعا لشن حروبه تحت مزاعم ومبررات شتى ضد العالم الإسلامي، ويقف من أمامه متعصب لا يرى في الإسلام إلا عنفا وشرا يقدم له المبررات الكنسية التي تسعر من لهيب الحرب وتشعل اتونها دوما وبلا انقطاع.
ماذا بعد تصريحات بابا الفاتيكان؟
في رأينا أن تلك التصريحات المقيتة الصادرة من بابا الفاتيكان يمكن أن تخلف ثلاثة آثار، ستلقى بظلال أكثر ضبابية على العلاقة بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي:
أولا: انتهاء ما يسمى بالحوار بين الأديان والحضارات
فحتى وقت قريب كان لأصحاب نظرية الحوار بين الحضارات وإمكانية التلاقي ما بين الأديان راية مرفوعة وحديث مسموع في بعض المجالس والمنتديات، لكن غالب الظن أن تصريحات بينيدكت ستقطع على هؤلاء الطريق وستقضى على تلك الدعاوى بالضربة القاضية لكونها صادرة من أعلى سلطة كنسية، وهي غير مبررة ولا يمكن ليّ مضمونها وما جاء فيها أو الاعتذار عنها بشيء من قبيل ما يعتذر به للسياسيين من قلة وعي واطلاع، أو الحرص على إرضاء شريحة يستميل أصواتها لعملية انتخابية، أو ما إلي ذلك.
وقد بدأت بالفعل إرهاصات هذه القطيعة، حيث طالب د. نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق، 'أن تكون معاملتهم [الغرب] لنا بالمثل من حيث الحوار والتفاهم السلمي، فإن لم يفعلوا وأخذوا في إصدار التصريحات المستفزة ضد ديننا ورسولنا فيجب أن نتخذ مواقف حازمة، خاصة أن التصريحات هنا صادرة عن رأس الديانة المسيحية الكاثوليكية في العالم ما يعد تمهيدا لحرب صليبية جديدة يشارك فيه رجال الدين وليس القادة السياسيون فقط مثل الرئيس بوش الذي أعلن أكثر من مرة بأنه يقود حربا صليبية ضدنا ونحن لا نصدق أنها زلة لسان وإنما هي تعبير عما في قلبه'.
كما دعا د. محمد المسير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، إلى إلغاء لجان حوار الأديان بين الأزهر والفاتيكان، مؤكدا أن هذا لا يعني مقاطعة البشرية وإنما 'علينا أن نحترم ونتحاور مع من يحترمنا ويريد الحوار الجاد المتكافئ معنا وليس المتاجرة بحوار الأديان وطعننا في ديننا وإهانة مقدساتنا ورسولنا'.
ثانيا: تزايد الهوة والقطيعة مع الجاليات المسلمة
فالجاليات المسلمة في الغرب لا يمكن أن تنبت عن دينها، وتقف مكتوفة الأيدي وهي ترى ذلك التعصب وهذا الحقد على دينها ومعتقداتها الراسخة، ومن ثم فإن قطيعة بل صراعات عنيفة قد تأخذ مداها في الدول الغربية على نحو ما رأينا في فرنسا منذ أشهر عدة إذا لم تجد تلك الجاليات من يحفظ لها هيبة دينها واحترام مقدساتها.
وما يمكن أن يغذي هذا المنحى من القطيعة والنفور أن الدول الغربية على اختلافها تشكل لها الجالية المسلمة هاجسا ديموغرافيا مقلقا القي بظلاله على عمليات عنف عنصرية طالت الجالية المسلمة في أكثر من دولة.