فهرس الكتاب
4 -الدستور والشريعة: من خلال الأرضية المتينة التي توفرها الهيئات الكنسية والصليبية للحركات الجنوبية تمكنت ـ عبرها ـ من عرقلة أي محاولة لإقامة دستور إسلامي أو تطبيق الشريعة الإسلامية، ورغم أن كل الأحزاب السودانية الكبيرة لا تستصحب أي نية جادة في تطبيق حقيقي للشريعة الإسلامية، كما أنها تلتزم باستثناء المديريات الجنوبية منها. إلا أن مجرد إدراج عبارات فضفاضة بإسلامية الدستور أو الشريعة يعد سبباً كافياً لإثارة حملة شعواء ضدها وضد كل من يتبناها؛ فقد اعترضت المجموعات الجنوبية على النص بأن الإسلام دين الدولة والعربية لغتها في محاولة عام 1957م لكتابة الدستور، وحينما تكونت اللجنة القومية للدستور في إبريل عام 1967م كتبت الأحزاب الجنوبية مذكرة حذرت فيها اللجنة من خطورة أي توجه نحو تضمين مواد إسلامية في الدستور، ومن داخل الجمعية التأسيسية في يناير 1968م اعترض الجنوبيون على المواد المتعلقة بالإسلام، وقال عنها العضو (وليم دينج) : «إنها الجزء المتعفن الذي يجب إزالته حتى لا تتعفن به البقية» . لقد كانت حركة التمرد (الحركة الشعبية) تتمسك بصلابة في كافة مفاوضاتها مع أحزاب الحكومات الانتقالية والمنتخبة بإلغاء قوانين الشريعة التي أعلن عن تطبيقها العقيد جعفر محمد نميري في سبتمبر 1983م. والعجيب أن حركات التمرد الجنوبية ومن ورائها المنظمات التنصيرية تريد أن تفرض رؤيتها الدينية على الشمال والجنوب في الوقت الذي ترفض بشدة أن يطبق الشمال رؤيته حتى في داخل حدوده الشمالية وحدها إن كان خياره الإسلام!!
5 -تشكيل الهوية السودانية: لقد كانت الحركة التنصيرية تستهدف تنصير كل السودان ابتداءً من الوثنيين والذين لا عقيدة لهم من أهل الجنوب والنوبة وحتى تنصير المسلمين في شتى أنحاء السودان. جاء في خطط أعمال مؤتمر كولورادو عام 1978م: «لقد أوقفنا انتشار الإسلام في جنوب ووسط إفريقيا، وما نحتاج إليه هو العمل لإيجاد منافذ إلى داخل الإسلام» (1) ، لقد عملت الكنائس بجد على إيجاد مراكز لها في الشمال رغم أن القوانين الحكومية كانت تمنع أي إرساليات تنصيرية شمال خط عرض 10، وحتى الحكومة الإنجليزية نفسها لا تسمح لتلك الإرساليات بالعمل في الشمال (2) إلا من خلال المدارس والمعاهد التعليمية؛ إلا أن الكنيسة أفلحت في تكسير تلك الحواجز ومد سلطانها إلى أبعد ما تبلغه ركابها. إن من المدهش أن نعلم أن نتاج هذا الجهد هو فقط 5% من مجموع ثلاثين مليون نسمة؛ بينما المسلمون 70%، وأصحاب المعتقدات المحلية 25% كما قدرته منشورة (CIA The wo r ld Fact back) وسوى مثل هذه التخمينات؛ فليس ثمة أي إحصائيات موثوقة لظروف الحرب والنزوح. أما الذي حققته الكنيسة في هذا المضمار فهو إيجاد صفوة جنوبية ذات ثقافة غربية حانقة على الإسلام بدرجة أكبر من حنق الكنيسة ذاتها. يقول الكاتب الإنجليزي (ساندرسون) : «تحاول الكنيسة السودانية أن تستند إلى مقاومة الإسلام مقاومة إيجابية؛ أما المقاومة السلبية فهي عند الصفوة الجنوبية من خريجي مدارس الإرساليات تمثل واجباً دينياً مسيحياً (3) . هذه الصفوة هي التي يراد لها أن تقود جموع الجنوبيين وتسيِّر حركتهم الاجتماعية والسياسية إلى حيث تريدهم القوى الصليبية؛ ففي بوادر حركة الإرساليات النصرانية صرح القس «دانيال كمبوني» بهذه الاستراتيجية قائلاً: «سيتم توفير التعليم العالي للعناصر الأكثر كفاءة، والمأمول أن يتسلموا مقاليد القيادة في بلادهم» (4) ، وهذا عين ما يحدث الآن. لقد استطاعت الكنيسة أيضاً أن تحدث شرخاً غائراً في وجدان الإنسان الجنوبي تجاه الإسلام والعروبة، وكل من يتبناها بشكل يمكن استغلاله دائماً في إثارة القلاقل وصناعة حركات تمرد جديدة. إن الكنيسة تعمل بجهد لكسب ولاء الجنوبيين لصالحها، وتنصِّب نفسها حارساً لمصالحهم، ومدافعاً مخلصاً عن حقوقهم ضد ما تسميه باضطهاد الدولة والهوس الإسلامي والاستعمار الشمالي.
إن المحصلة النهائية التي تسعى لها الصليبية في السودان هي طمس كل معالم الإسلام والعربية على مستوى التشريع والدولة، ومستوى الهيئات والمؤسسات الاجتماعية، ومستوى قطاعات الشعب والأفراد، إنها تطمح فعلاً (لسودان جديد) ، جاء في ورقة عمل قدمها مجلس الكنائس السوداني ضمن اجتماع مجلس عموم كنائس إفريقيا في لومي عام 1987م بعنوان (إنقاذ السودان) : «المناداة بضرورة إيجاد السودان الجديد الخالي من السيطرة العربية» ، ثم طالبت الورقة بدعم مجلس الكنائس الإفريقي والعالمي لإيجاده. هذا السودان الجديد هو مطلب الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي تردده دائماً في بياناتها الرسمية، وهو أيضاً مطلب الحزب الشيوعي الذي من أجل تكوينه تحالف مع حركة التمرد، ولو أصبح بأيديهم سلطة فلن يتأخروا أبداً في فرضه وتحقيق أمل (جون قرنق) في طرد العرب المسلمين من السودان كما طُردوا قديماً من الأندلس؛ إنه مصداق قوله ـ - تعالى - ـ: { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } [التوبة: 8] .