واستطاعت القبائل الشمالية، بمساعدة من قوات التحالف الصهيوني الصليبي ماليا وعسكريا، هزيمة نظام حكم طالبان، وإجلائه عن جميع المدن الأفغانية، بما فيها العاصمة كابول. وهكذا سقطت حكومة طالبان، لتقوم مكانها حكومة حليفة للولايات المتحدة وللتحالف الصهيوني الصليبي. وأنشأت الولايات المتحدة عدة قواعد عسكرية لها في مدينة كابول، وقاعدة باجرام الجوية في الجنوب.
وبذلك نجد أن التحالف الصهيوني الصليبي استطاع تحقيق هدفه بأقل قدر ممكن من الخسائر في صفوفه، بل إن الخسائر الحقيقية كانت تلك التي وقعت في صفوف قوات القبائل الشمالية، التي كانت بمثابة درع واقٍ للقوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها. كما مكّن هذا الأسلوب في النهاية من إقامة حكومة أفغانية موالية للتحالف الصهيوني الصليبي.
الأسلوب الثالث: وهو أسلوب تشجيع النزاع بين الأطراف المتنازعة، مع تبني أحد أطراف النزاع، ودفعه لعمل عسكري ضد الطرف الآخر، مع الاكتفاء بمساعدته تسليحيا وماديا:
ويتشابه هذا الأسلوب مع الأسلوب الثاني في إثارة الخلافات والنزاعات بين أبناء الوطن الواحد، وفي تبني وجهة نظر أحد أطراف النزاع وتعضيدها والعمل على تمديدها. إلا أنه يختلف عنه في اكتفاء التحالف الصهيوني الصليبي بمساعدة هذا الطرف المدعوم من حيث توفير السلاح والمال والدعم السياسي له في المحافل الدولية، دون التدخل عسكريا لمصلحة هذا الفريق.
ومثال هذا الأسلوب هو ما حدث في جنوب السودان، حيث اختار التحالف الصهيوني الصليبي رجلا له من جنوب السودان، هو جون جارانج، وقدّم الدعم له من أجل إثارة مشكلة تعصب الحكومة الإسلامية في شمال السودان ضد المواطنين من المسيحيين في الجنوب. وظلت هذه الضغوط تتصاعد على مدى ما يزيد عن ثلاثين عاما، واتخذت أشكالا عدة، بدءا من توفير السلاح والتدريب العسكري والمعونات الغذائية والدعم السياسي لمواطني الجنوب، ثم ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على نظام الحكم في السودان.
وآتت تلك الجهود ثمارها، ولو بعد فترة طويلة نسبيا، حيث تمكن دعاة الانفصال في الجنوب من إجبار الحكومة السودانية على توقيع اتفاق"ماشاكوس"في نيروبي عاصمة كينيا، يقضي بإعطاء بعض الحقوق لأبناء الجنوب، مثل وجوب تعيين نائب لرئيس السودان منهم، بل والأخطر من ذلك هو النص على عقد استفتاء بين سكان الجنوب وذلك بعد ست سنوات من إبرام هذا الاتفاق، يتم بمقتضاه تقرير مصير الجنوب: إما الانفصال والاستقلال بذاته، وإنشاء دولة مستقلة له تبعا لذلك، وإما بقائه في ظل الاتحاد مع الشمال.
وهذا الأسلوب، وإن نجح في مخططه مع عدم تدخل القوات الصهيونية والصليبية في النزاع مطلقا وعدم تعرضها لأي مخاطر من أي نوع، سواء في الأرواح أو في السلاح، إلا أن مدته الزمنية كانت طويلة للغاية، ولا تتناسب مع السرعة التي يريدون إتمام عملياتهم بها.
حقيقة الإصلاح الذي يريدونه:
واكب تبني التحالف الصهيوني الصليبي للعمل باستراتيجيات التدخل العسكري التي ناقشناها أعلاه، إعداد استراتيجية أخرى لفرض السياسات الإصلاحية على بقية الدول الإسلامية التي تبدو"مسالمة"من وجهة نظر هذا التحالف، ولكن بشرط تطبيق أجندتها بالكامل من جانب تلك الدول. وإذا ما حاولت تلك الدول التملص من أحد بنود هذه الأجندة الإصلاحية، يتم التلويح لها باستخدام أحد الخيارات العسكرية السابقة ضدها. لذا قد يكون من المناسب الحديث الآن عن أجندة الإصلاح التي يحاول هذا التحالف فرضها على بقية دول العالم الإسلامي:
قال نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية الفرنسي:"الإسلام الذي تريده فرنسا هو إسلام فرنسي وليس إسلاما في فرنسا". [3] أي أن فرنسا تريد تطويع الإسلام وفقا لما يتناسب مع مجتمعها بحيث يصطبغ بالصبغة الفرنسية ( العلمانية بالطبع ) ، ولا تريد الإسلام الذي يفرض نصوصا يحكم بها المجتمع.
هذا هو الإسلام الذي يريدون تطبيقه في دولهم، ومن ثم فرض أجندته على الدول الإسلامية. وهم يقولون بضرورة تشجيع الديمقراطية في الدول الإسلامية، على خلفية أن الممارسات الاستبدادية هي التي تقف وراء العمليات"الإرهابية"المزعومة! وبالطبع فلا يخلو هذا الطرح من الخطأ. فالعمليات"الإرهابية"المشار إليها تعود في معظمها إلى ضياع حقوق المسلمين واغتصابه بأيدي دول التحالف الصهيوني الصليبي.
فالعمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون - على سبيل المثال - تعبر عن حق مشروع لهم تجاه مستعمر احتل الأرض وتملص من أداء الحقوق لأصحابه، ويسانده في غيه وطغيانه كل قوى التحالف الصهيوني الصليبي، مما أدى بأبناء هذا الوطن لليأس من أي طرح باتجاه إنهاء معاناتهم أو حتى تسويتها. والعمليات الشهيرة التي تمت في قلب الولايات المتحدة - إن كانت فعلا على أيدي مسلمين - فهذا يرجع ليأسهم من الانحياز الأمريكي المطلق ضد الثقافة الإسلامية والعمل بكل السبل على إنهائها وإزالتها من الوجود.