فهرس الكتاب

الصفحة 26132 من 27364

ولذا فقد بين - عز وجل - أن المنافقين ليسوا بمسلمين وأنهم إخوان للكافرين فنزع أخوتهم من المسلمين وقرنهم بالأخوة التي تربط بينهم وبين أسيادهم الكافرين فقال: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون) [10] قال ابن الجوزي عند قوله تعالى: (يقولون لإخوانهم: أي في الدين لأنهم كفار مثلهم وهم اليهود ) [11] .

2.أخوة القرابة والنسب:

ومنه قوله تعالى: ( كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ) [12] وقد نص جمع من المفسرين بأن المقصود بهذه الأخوة في هذا الموضع بأنها أخوة النسب ، ومنهم الشوكاني حيث يقول: ( أي أخوهم من أبيهم لا أخوهم في الدين) [13] ، ومن هذا قوله تعالى لموسى: ( اذهب أنت وأخوك بآياتي ) [14] ، والمقصود به هارون -عليهما السلام- والذي كان أخاً لموسى من أب وأم .

* زوبعة عصرية، وإثارة قضية:

أثار بعض المفكرين العصريين والمناصرين لمبدأ ( الإخاء الإنساني ) بأن هذا المصطلح قد ذكره بعض المفسرين في كتبهم، وأن له دليل من القرآن، مثل قوله تعالى: ( وإلى عادٍ أخاهم هوداً) [15] ، قائلين إن القرآن أثبت هذا الإخاء فهو - عليه الصلاة والسلام - لم يكن أخاً لقومه في الدين لكنَّه أخاهم في البشرية والإنسانية ، ولهذا لا مانع بأن نطلق على النصارى واليهود بأنهم إخواننا في الإنسانية .

وجواب ذلك: بأنه لاشك أننا جميعاً مسلمين وكفار خلقنا الله - عز و جل - من أبينا آدم وأمِّنا حواء- عليهما الصلاة والسلام - فنحن جميعاً نشترك في البنوة لهما وهو - سبحانه - ينادينا جميعاً قائلاً: ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ) [16] ، وعليه - راجياً أن يُفْهَمَ ما أعنيه - فلو أطلق البعض هذا المصطلح لأجل تلك البنوة من آدم وحواء - وليس له إلا هذا المراد فقط - لهان الخطب ، وأصبح الأمر قابلاً لوجهات النظر ، من حيث أصل هذا المصطلح ، ولكن

* هل يريد هؤلاء العصرانيون أن يثبتوا هذا المبدأ بهذا التفصيل ، أم أن وراء الأكمة ما ورائها، وأن المراد غير ما يظهر ، وأن الجوهر بخلاف المظهر ؟

-قيل في المثل العربي ( الحقيقة بنت البحث ) ولا شكَّ أنَّ الغوص في معاني الأمور، ومحاولة إدراك حقائقها ، من الأهمية بمكان ، والحق الذي لا أشك فيه ، أن هذا المبدأ لا يقصد جل من يقوله - نسأل الله لنا ولهم الهداية - إلا خلاف الحق ، وتفريغ الإسلام من محتواه الاعتقادي ، وإبعاد المسلمين عن منهج الله القويم ، وصراطه المستقيم [17] ، إلى أن ينتقلوا بمن يتأثر بأطروحاتهم تلك إلى إثبات مبدأ (الإخاء الديني) وقد كان ... فتختلط الأمور، ويصبح الأمر في حيص بيص ، ويطمع الطامعون في إسقاط المسلمين بمزالق عقدية خطيرة تحت مظلة ( التقارب الديني ) أو (التعايش مع الآخر) أو ( نبذ الشك والارتياب بالآخرين ) ويصبح من تأثر من المسلمين بتلك الأُطر ، كما قيل:

فتراخى الأمر حتى أصبحت *** هملاً يطمع فيها من يراها

و لهذا فهل يليق بنا السكوت والتعامي عن مراد هؤلاء المنحرفين بحجة أن هذا المبدأ في جملته صحيح؟!

* أهداف المدرسة العصرانية ومقاصدها في التلويح بهذا المبدأ:

1)تمييع عقيدة البراء من الكفار وبغضهم وعدواتهم ، واستبدال ذلك بالدعوة إلى محبَّتهم ومودتهم ومصاحبتهم! إلى غير ذلك من العبارات التي يحاولوا أن يسترضوا بها الكفار، لتربط بينهم وبين المسلمين بوشيحة الإخاء ، وحين يقتنع المسلم بهذه الدعوات المنهزمة فإنه سيقل إحساسه بخطر الكفار ، وأهمية البراءة منهم ، بل سيحصل بينه وبينهم نوع من الانسجام الفكري ، والتنازل العقدي ، بغية الاجتماع على قواسم مشتركة .

وممَّا يجدرالتنبُّه له ، ووجدته واضحاً من خلال البحث والاستقراء لكتابات أصحاب المدرسة العصرانية ، حيث رأيتهم متوافقون في مقاصدهم تجاه (الإخاء الإنساني) وأنَّهم يريدون من وراءه القول بمودة الكفار ومحبتهم والتعايش معهم، ولهم كتابات منتشرة في ذلك لو قلَّبها المتابع لوجدها صريحة بنشرهذا المقصد ، فتجد أنَّ بعضهم يقول: (إنَّ الأخوة الإنسانية العامة التي أوجب الإسلام بها التعارف عندما يختلف الناس أجناساً وقبائل يجب وصلها بالمودة ، والعمل على الإصلاح ومنع الفساد ولو اختلف الناس ديناً وأرضاً وجنساً) بل إنَّ بعضهم يقول: (... ومع ذلك التاريخ السابق فإننا نحب أن أيدينا وأن نفتح آذاننا وقلوبنا إلى كل دعوة تؤاخي بين الأديان وتقرب بينها ، وتنزع من قلوب أتباعها أسباب الشقاق) .

والحقيقة أنَّ من تعلَّم العقيدة الربَّانيَّة حتَّى تجذَّرت في أعماق نفسه البشرية ، يعلم أنَّ هذا الكلام مغاير لنصوص الكتاب والسنَّة ، فأين يوجد في كتاب الله أو في سنَّة رسول الله القول بجواز مودَّة الكافر، وأين يوجد ذلك فيما سطَّره علماؤنا في كتبهم ، أو ما طرَّزوه في مسائلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت