فهرس الكتاب

الصفحة 26171 من 27364

البراءة: وهو حكم نادرًا ما حكمت به محاكم التفتيش، وعندها يخرج المتهم بريئاً، لكنه يعيش بقية حياته معاقاً مهدوداً بسبب التعذيب الذى تعرض له، وعندما يخرج يجد أن أمواله قد صودرت، ويعيش منبوذاً لأن الآخرين يخافون التعامل أو التحدث إليه خوفاً من أن يكون مراقباً من محاكم التفتيش، فتلصق بهم نفس التهم التى أُلصقت به عينها .

الجلد: وقد كان المتهم يساق إلى مكان عام عارياً تماماً وينفذ به الجلد ، وغالباً ما كان يموت تحت وطأة الجلد، فإن أفلت وكُتبت له الحياة يعيش كوضع المحكوم بالبراءة من حيث الإعاقة ونبذ المجتمع له .

الإعدام: وهو الحكم الأكثر صدوراً عن محاكم التفتيش ، ويتم الإعدام حرقاً وسط ساحة المدينة .

وفى بعض المراحل صارت المحاكم تصدر أحكاماً بالسجن، وبسبب ازدحام السجون صارت تطلق سراح بعضهم وتعدم آخرين من دون أى محاكمات، وفى بعض الحالات تصدر أحكاماً بارتداء المتهم لباساً معيناً طوال حياته، مع إلزام الناس بسبه كلما سار في الشارع أو خرج من بيته، وفى هذه الأحكام كما قلنا لا يُستثنى أحد بسبب العمر، فهناك وثائق تشير إلى جلد طفلة عمرها أحد عشر عاماً مائتى جلدة، وجلد شيخ في التسعين من عمره ثلاثمائة جلدة، وحتى الموتى كانوا يخضعون للمحاكمة ويتم نبش قبورهم لإحراق جثثهم والتمثيل بها!!

وفى 5/1611م صدر قرار إجرامى للقضاء على المتخلفين من المسلمين في بلنسية، يقضى بإعطاء جائزة لكل من يأتى بمسلم حى، وله الحق في استعباده، وثلاثين ليرة لمن يأتى برأس مسلم قُتل . وقد بلغ عدد من طُرد من إسبانيا في الحقبة بين سنتى 1609-1614 نحو 327.000 شخص مات منهم 65.000 غرقوا بالبحر، أو قتلوا في الطرقات، أو ضحية المرض، والجوع، والفاقة، وقد استطاع 32.000 شخص من المطرودين العودة إلى ديارهم في الأندلس، بينما بقى بعضهم متستراً في بلاده بعد الطرد العام لهم، وقد استمر الوجود الإسلامى بشكل سرى ومحدود في الأندلس في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

وهكذا حكمت محاكم التفتيش في غرناطة سنة 1726م على ما لا يقل عن 1800 شخص (360) عائلة بتهمة اتباع الدين الإسلامى، ونقل كاتب إسبانى أخبار محاكمة وقعت في غرناطة سنة 1727م، وفى 9/5/1728م، احتفلت غرناطة بـ (أوتودافى) ضخم، حيث حكمت محاكم التفتيش على 46 غرناطيًا بتهمة الإنتماء للاسلام، وفى 10/10/1728،حكمت محكمة غرناطة مرة أخرى على ثمانية وعشرين شخصاً بتهمة الانتماء للإسلام، وتابعت محاكم غرناطة القبض على المتهمين بالإسلام إلى أن طلبت بلدية المدينة من الملك سنة 1729م طرد كل (الموريسكيين) حتى تبقى المملكة نقية من الدم الفاسد.

وفى سنة 1769م تلقى ديوان التفتيش معلومات عن وجود مسجد سرى في مدينة (قرطاجنة) (مقاطعة مرسية) فتم إلقاء القبض على أكثر من مائة (مورسكى) حوكموا وأعدمهم معظم علناً .

المسيحيون أيضًا

مهما أسهبنا في استعراض محاكم التفتيش فإننا لن نلم إلا بجزء يسير جداً من صفحاتها السوداء الوحشية، ولن نستطيع استعراض إلا جزء يسير جداً من جرائمها . وقد بلغ الرعب الذى سببته المحاكم حداً لا يوصف بين سكان إسبانيا . فقد كان جر أى إنسان إلى محاكم التفتيش عملية سهلة، وقد يقوم الاتهام لمجرد إشاعة أو يذهب الإنسان بنفسه ليعترف رعباً، أو دليلاً على حسن نيته، بلفظ تفوه به عرضاً ودون أن يعنى له شيئاً ويخشى أن يكون قد سمعه أحد، وفتح الباب على مصراعيه أمام الضغائن الشخصية، الذى يطمع بزوجة جاره، والمالك الذى يريد أن يهرب من أجر عامله، والتاجر الذى يخشى من منافسة زميل له، حتى الأطفال في أثناء لعبهم مع بعضهم بعضاً كانوا معرضين للاتهام، كأن يذهب طفل ويشى بطفل آخر متهماً إيّاه أنه قال كذا وكذا في أثناء اللعب، فيلقى القبض على الطفل المتهم ويحاكم، وغالباً يموت لأنه لا يتحمل أهوال التحقيق والتعذيب والسجن.. وهكذا صار الطريق واسعاً وعريضاً لكل من يريد أن يتخلص من أى إنسان، وأى تهمة صالحة لأن تدفع بمسلم سابق إلى أعماق السجون سواء كان هذا المسلم السابق رجلاً أو طفلاً أو شيخاً مسناً .

ومن الإنصاف أن نذكر أن ضحايا التفتيش لم يكونوا فقط من المسلمين السابقين، بل كانوا من المسيحيين أيضاً، فقد انتهجت الكنيسة السلوك الإرهابى عينه تجاه المسيحيين عن طريق (محاكم التفتيش) التى أوكلت إليها مهمة فرض آرائها على الناس باسم الدين والبطش بجميع من يتجرأ على المعارضة والانتقاد، فنصبت المزيد من المشانق وأعدمت الكثيرين من المسيحيين عن طريق حرقهم بالنار، حيث يقدر عدد الضحايا المسيحيين ممن جرت عملية إعدامهم من قبل محاكم التفتيش (300.000) أُحرق منهم (32.000) أحياء، وقد كان من بينهم العالم الطبيعى المعروف (برونو) الذى نقمت عليه الكنيسة نتيجة آرائه المتشددة التى منها قوله بتعدد العوالم ، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالعالم الطبيعى الشهير (غاليليو) الذى نفذ فيه القتل لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت