وفى عام 1846م احتلت جيوش الولايات المتحدة كاليفورنيا ، وتقول الإحصائيات إن عدد هنود كاليفورنيا في تلك السنة كانوا أضعاف ما كانوا عليه في عام 1769م ومع ذلك فخلال العشرين سنة الأولى من احتلال هذه الولاية أبيد 80 بالمائة منهم وتلاشى الباقون بسبب نظام السخرة . إن ثروة الأمم التى أعطت السلطة السياسية لأصحاب مناجم الذهب والمزارع الأسطورية سرعان ما تم استغلالها في استعباد الهنود كسلاح غير مباشر، لإبادتهم كما تم قبل ذلك في كولورادو وغيرها من ولايات الذهب . ولأنه لابد من يد عاملة رخيصة لاستثمار هذه الولاية الغنية، فقد نشطت تجارة خطف أطفال الهنود . ولطالما كتبت صحف تلك الفترة عن الشاحنات المليئة بأطفال الهنود، وهى تهوى في الطرقات الريفية الخلفية إلى أسواق العبيد في سكرامنتو وسان فرانسيسكو. ومع نهاية القتال في سنوات الاحتلال الأولى فقد زاد الإقبال على خطف الفتيات اللواتى يقدمن خدمة مضاعفة: العمل والمتعة. وهذا حول الساخطين من آباء هؤلاء المخطوفين إلى (عناصر شغب) تستأهل العقاب، وأدى إلى هرب معظم الأسر الهندية من منعزلاتها وأماكنها التقليدية. أما شركات الخطف فقد تحولت إلى مليشيات خيرية، إذ صار الخاطفون يقتلون الآباء ويشاركون الدولة في قتل عناصر الشغب، وهكذا فقد اعتبر قتل الهنود أو بيعهم مهمة نبيلة وعملاً أخلاقياً يتباهى به الأمريكان!!!
وفى أوائل 1850م، وفى أول جلسة تشريعية لكاليفورنيا سنت الولاية قانون حماية الهنود الذى أضفى الشرعية على خطف الهنود الحمر واستعبادهم، واقتضت حماية الهنود بموجب الملحقات التى أضيفت إلى القانون عام 1860م إجبار أكثر من عشرة ملايين منهم على القيام بأعمال السخرة، ولأن معظم الذين هربوا بأرواحهم وفراخهم إلى الغابات والجبال الواعرة صاروا يعيشون فيما أصبح اسمه الولايات المتحدة، فقد تحولوا بموجب قوانين الذين سرقوا بلادهم إلى لصوص معتدين على أملاك الغير!! ولم تمض سنوات على صدور قانون حماية الهنود حتى ضاق حاكم الولاية بيتر بيرنت ذرعاً بحمايتهم وعبر عن الحاجة إلى إبادة هذا العنصر الهندى الأحمر، ووجه رسالة إلى المجلس التشريعى قال فيها: إن الرجل الأبيض الذى يعتبر الوقت ذهباً، والذى يعمل طول نهاره لا يستطيع أن يسهر طول الليل لمراقبة أملاكه.. ولم يعد أمامه من خيار سوى أن يعتمد على حرب إبادة. إن حرباً قد بدأت فعلاً، ويجب الاستمرار فيها حتى ينقرض الجنس الهندى تماماً (هذا هو الوجه الأمريكى الحقيقى) ..
إن إبادة حضارة المايا والأزيتا والبوهاتن وغيرها ليست تهمة ينفيها الأمريكيون، إنها جزء من كفاحهم المقدس في سبيل إقامة أمريكا قوية وعادلة و (جاهزة) لمحاسبة الآخرين على أساس المثل الأخلاقية إياها (1) .
تعليق من المؤلف
بعد هذه الأمثلة والنماذج الصارخة للإرهاب الأمريكى والصهيونى والأوروبى نتساءل أين هو الإرهاب حقًا ؟ ومن هو الإرهابى فعلاً ؟ ونذكر أخيرًا بأن أخطر الإرهابيين عبر العصور لم يكونوا من المسلمين، بدءًا من كاليجولا ونيرون ، مرورًا بهتلر وستالين وموسولينى ، إلى شارون وبوش الأب والابن وتيموثى ما كفى منفذ مذبحة أوكلاهوماسيتى ، وكارلوس وبيريا وغيرهم.. والتاريخ خير شاهد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ..
المراجع
(1) لسان العرب لابن منظور - الجزء الثالث - مادة (رهب) .
(2) المعجم الوسيط - الجزء الأول - مادة (رهب) .
(3) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم - دار الشعب - القاهرة .
(4) الموسوعة البريطانية B r itannica Encyclopedia .
(5) د. يحيى عبد المبدى - معهد الدراسات الأفريقية - جامعة القاهرة - دراسة بعنوان: مفهوم الإرهاب بين الأصل والتطبيق .
(6) وائل على حسين - محاكم التفتيش والمسؤولية الغربية - مجلة الراية - العدد 186 - بيروت 1982م .
(7) عبد الرحمن حمادى - نحو منهج جديد لإعادة كتابة التاريخ العربى - ندوة إعادة كتابة التاريخ العربى - الرباط - 1991م - مجلة الوحدة - عدد خاص عن الندوة - الرباط 1991م .
(8) د. طاهر مكى - مسلم إسبانى أمام محاكم التفتيش - مجلة الدوحة - قطر 1981م.
(9) وول سميث - تاريخ أوروبا في العصور الوسطى - دار الحقائق - بيروت 1980م. ويلاحظ أن تركيز المؤرخين النصارى على عدد المسيحيين الذين كانوا ضحية لمحاكم التفتيش يأتى من باب تقليل أعداد الضحايا من المسلمين ، والإيحاء بأن المسيحيين كانوا هم الضحايا الأكثر.
(10) مجلة الوعى الإسلامى - العدد 455 - رجب 1424هـ - مقال لعبد الرحمن شيخ حمادى - محاكم التفتيش .