فهرس الكتاب

الصفحة 26193 من 27364

وصدق أحد الشعراء حين قال مشخِّصاً اختلاف كثير من أتباع الجماعات الإسلامية ، وتفرقهم وتعصبهم:

وما شكواي أو شكواك إلا * لفوضى في المجامع وانقسام

ترى كلاً له أمل وسعي * وما لاثنين حولك من وئام

لكل جماعة فينا إمام * ولكنَّ الجميع بلا إمام

وحين رأى الكفار هذا التفرق الذي يدبُّ في أمتنا ، ويفرق بين صفوفها استولوا على كثير من أقطارها لانعدام الوحدة الإسلامية . وهذا ديدنهم في كل حين ، حين يرون أهل الإسلام قد اختلفوا وتشرذموا فرقاً وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون ، فإنهم سيلتهمون بلاد الإسلام ، وقد نبَّه إلى هذا الملمح الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بقوله: ( وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها، حتَّى تجد المنتسب إلى الشافعي يتعصَّب لمذهبه على مذهب أبي حنيفة حتى يخرج عن الدين ، والمنتسب إلى أحمد يتعصَّب لمذهبه على مذهب هذا أو هذا، وكلُّ هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه) مجموع الفتاوى [22/254] .

فمن الفطنة أن نردم الشقاقات بيننا وأن نتلاقى لقاءً إيمانياً أخوياً ، ولِنُفَوِّتَ على أعدائنا فرصة الفرحة بوقوع الخلافات بين الإسلاميين أو تثميرها واستغلالها لصالحهم.

لكن ذلك لا يمنع الاختلاف في وجهات النظر ، ولا يمنع إذا وقع أحد من أهل العلم بخطأ أن يُبَيَّنَ خطؤه ، ففرق بين تبيين الخطأ للناس مع وجود الرابطة الأخوية التي تجمع بين الراد والمردود عليه ، وبين ما إذا أخطأ أحد العلماء أو المجاهدين أو الدعاة أن يكون ذلك بداية للانشطار والتطاحن الفكري، والذي يكون أكثره ليس لله ـ وللأسف ـ بل لحظوظ النفس ورغباتها، أو للحزبية المقيتة.

ومن جميل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في هذا المقام: (وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتَّبعوا أمر الله ـ تعالى ـ في قوله: [فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا] النساء [59] ، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة ، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية ، مع بقاء الألفة والعصمة ، وأخوة الدين .

نعم ! من خالف الكتاب المستبين ، والسنَّة المستفيضة ، أو ما أجمع عليه سلف الأمَّة خلافاً لا يعذر فيه ، فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع] مجموع الفتاوى لابن تيمية [24/172] .

ومن أكبر ما يجمع الناس، ويوحد صفوفهم، بعد الإيمان بالله ـ تعالى ـ وإخلاص العبودية له ؛ الجهاد في سبيل الله ؛ فإنه المصدر الرئيس للرابطة الإيمانية والوحدة الإسلامية ، وتركه والتخلف عنه ينسحب أثره على القاعدين بالسلبية القاتلة ؛ فيكثر جدلهم وتفرقهم ، وتكثر الكتل الحزبية والتجمعات المتفرقة، بسبب القعود عن تلك الفريضة العظيمة.

قال العلاَّمة الشيخ ابن تيمية ـ طيَّب الله ثراه ـ:( فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع؛ فإنَّ الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألَّف بينهم ، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم ، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذَّبهم الله بأن يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض] مجموع الفتاوى [15/44ـ45] . وصدق ـ رحمه الله ـ فالواقع خير شاهد على ذلك .

[9] [فاصبر إنَّ العاقبة للمتقين] :

المتطلب لعزَّة هذه الأمَّة الخيِّرة ينبغي عليه أن يعلم أنَّه إذا عمل لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه أنَّ طريق النصر والتمكين مملوء بالأشواك، ومتشعب الأودية ، ويحتاج لصبر جميل وطويل، فعلى الساعي لذلك أن لا يفرَق من كلام المنهزمين و المخذِّلين والمرجفين؛ فإنَّ هؤلاء قد قطعوا على أنفسهم عهداً للتصدي لأهل الإيمان ، ونذروا أنفسهم لمثل هذه الهمم الدنية ، فعلى من نذر نفسه للهمم العالية ألاَّ يستمع لمقالات هؤلاء المتحذلقين المتفيهقين، وليأخذ بقول الله: [ ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون] الحجر [65] ، وما أجمل قول القائل:

لا بد للسؤدد من أرماح

ومن عديد يتَّقي بالراح

ومن سفيه دائم النباح

فالفطن هو من يعرض عن هؤلاء ، لأنَّهم يتمنون أن يلقي بطرفه إليهم ، ويساجلهم ويعارضهم ؛ حتَّى يلهوه عن المقصد الأساس من دعوته ، وقد نبَّه الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فقال له: [ فذرهم وما يفترون] الأنعام [112] .

ولا يخش المرء على نفسه منهم ؛ فمن كان مؤمناً بالله فإنَّه مؤمن بقوله ـ تعالى ـ: [إنَّ الله يدافع عن الذين آمنوا] الحج [38] . فالله ـ عزَّ وجلَّ ـ هو الذي بيده الأمر والحكم، وهو الناصر لعباده ، ومبطل كيد الكفرة والمجرمين ومن أروع ما كتب في ذلك ؛ ما رقمه الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ بقوله: ( ومن رام أن ينصر باطلاً أو يدفع حقَّاً فهو مركوس ، من غير فرق بين رئيس ومرؤوس [وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل] وعند عزائم الشيطان يندفع كيد الرحمن ) أدب الطلب ومنتهى الأرب/ صـ250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت